إختر من الأقسام
الآن
مقالات وتحقيقات
العاملات المنزليات في مسابح الصيف: العنصرية العارية
العاملات المنزليات في مسابح الصيف: العنصرية العارية
المصدر : فاطمة حيدر - المدن
تاريخ النشر : الثلاثاء ٢٢ حزيران ٢٠١٩

لنتخيل المشهد التالي: عاملة منزلية فليبينية أو أثيوبية أو سريلانكية أو بنغلادشية.. ارتدت "المايوه" في منتجع بحري ونزلت في حوض السباحة. فما هو رد فعل الرواد والموظفين وأصحاب المنتجع اللبنانيين؟
بعضهم سيصاب بالدهشة والحيرة. بعضهم الآخر قد يخرج من حوض السباحة مستنكراً وربما "مشمئزاً"، وبعضهم قد يصرخ فيها بغضب طالباً منها الخروج فوراً من "البيسين"، وقد نرى أمهات يركضن لإخراج أطفالهن من الماء كما لو أنهم سيصابون بمرض، وربما قد ينقض عليها أحد الموظفين، ولعل أصحاب المنتجع سيطردونها هي والعائلة التي تصطحبها. وقد تعمد الإدارة إلى "الاعتذار" من زبائنها. لا ننفي أن يكون هناك قلة ترى ما "اقترفته" العاملة أمراً لا يستحق أي رد فعل. لكن، وفي كل الأحوال، ستتعرض هذه العاملة لجملة ردود فعل عنصرية، منها الفظ والمباشر ومنها الموارب والمهذب.

إن أردنا التخفيف أو التقليل من وطأة وصف الشخص العنصري، يمكن القول إن ما يظهره إلى العلن نابع من خوف داخلي عميق من الآخر - أيّ آخر - أو من قلة إدراك. أما إذا أردنا تعرية الواقع وتوصيفه من دون أي تبسيط، أقله إنصافاً لضحاياه، فإن "العنصري" شخصية جاهلة، متطرفة، تنتهك حقوق الإنسان والعدالة، وتنكر مبدأ المساواة، وتنتقص من كرامة البشر.

تعميم الوزير كيدانيان
في لبنان لا تقتصر مظاهر العنصرية على خطاب سياسي شعبوي، يقوم على التخويف وإثارة الغرائز، أو التفريق بين أبناء الوطن في استئجار البيوت، حسب الطائفة مثلاً؛ العنصرية ضد "الآخر" تصل إلى المسابح العامة، مروراً باستمرار العمل بـ "نظام الكفالة" عند استقدام العاملات الأجنبيات، وهنّ المعنيات أولاً بهذا التحقيق.

بالعودة إلى الوراء، بدأ الحديث عن هذه الظاهرة في لبنان من خلال تقرير أعدته "فرانس 24" في العام 2010 بعنوان "المسابح ممنوعة على الخادمات في لبنان". أظهر التقرير التلفزيوني لبنانَ بأبشع صوره خصوصاً عند إبرازه صورة ملصق عند مدخل أحد المسابح الكبرى في بيروت، يشير بوضوح إلى أنه يحظر إدخال "أجهزة الراديو وآلات التصوير والخادمات". وللمزيد من الفضيحة، نقل التقرير قول بعض أصحاب المسابح، إن الزبائن "يقرفون (يتقززون) من السباحة برفقة شخص أسود".

ويبدو أننا في بداية كل صيف نضطر للعودة إلى تناول هذه "الظاهرة" المخزية. وقد جاء التعميم الأخير لوزير السياحة أواديس كيدانيان، كإنذار جديد للمسابح، حين شدد في أحد البنود على أهمية "اعتماد المساواة في استقبال الزبائن، من دون تمييز لجهة العرق أو الجنسية أو الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة المتمتعين بالأهلية القانونية". لكن السؤال البديهي: هل ستلتزم المسابح والمؤسسات السياحية بتعميم الوزير؟

الأجوبة الأربعة
قامت "المدن" بالاستقصاء عبر الاتصال ببعض المسابح الرئيسية في بيروت، والكورة، والسعديات والرميلة والجنوب وغيرها، لمعرفة ما إذا كانت تلتزم بهذا البند المهم أم لا، وللتأكد إن كانت هذه الظاهرة لا تزال مستشرية أم تتراجع، فانقسمت الإجابات إلى أربعة وجهات:

أصحاب الوجهة الأولى، أكدوا أن لا مانع لديهم من دخول العاملات الأجنبيات على أن تدفع العائلة ثمن بطاقة الدخول وأن تلتزم بلباس السباحة (أي المايوه)، وهي شروط وزارة السياحة.

أصحاب الوجهة الثانية، وهم في بيروت خصوصاً، فأكدوا أن لا مشكلة من دخول العاملات الأجنبيات وحسب. أما عن إمكانية السباحة واستخدام المرافق، فأكدوا أن العائلات لا تدفع عادة ثمن بطاقة الدخول للعاملة، على اعتبار أنها برفقتهم ضمن وظيفتها المقتصرة على الاهتمام بهم وبأطفالهم، وليس لترفّه عن نفسها. لذا، لا يضطرون إلى التعامل مع مسألة السماح لها بالسباحة أم لا.

أما أصحاب الوجهة الثالثة، فكان جلّ اهتمامهم ينصب على "مشاعر الزبائن". إذ أكد أصحاب أحد المنتجعات في الكورة أن لا مشكلة من دخول العاملة الاجنبية، على أن تُمنع من السباحة في حال اشتكى أحد الزبائن!

الوجهة الرابعة، رأينا نموذجها الواضح في شكا تحديداً، حيث كانت الإجابة الأكثر عنصرية، إذ قالت المسؤولة حرفياً "مسموح لها النزول إلى البحر.. أما حوض السباحة فلا"!

من وجهة نظر كثرة من أصحاب المسابح والمنتجعات، لا تنبع الإجراءات بحق العاملات من العنصرية بقدر ما هي ناتجة عن خوف من خسارة الزبائن، فنسبة كبيرة منهم لن يقبلوا السباحة في الحوض نفسه الذي تسبح فيه العاملة. وفي المقابل، هناك مسابح لا تمنع العاملات مبدئياً، لكنها تشدد على وجوب دفع ثمن بطاقة الدخول. وبطبيعة الحال، هذا ما لا تقدم عليه أكثرية العائلات.

الوزارة تنفي
ما هي الإجراءات التي تقوم بها وزارة السياحة لمواجهة أي شكل من أشكال التمييز ضد العاملات الاجنبيات في المسابح؟ وهل يكفي هذا التعميم للحد من الظاهرة؟

ينفي وزير السياحة أواديس كادانيان، في حديث مع "المدن"، وقوع أي حالة أو شكوى حتى الآن. وعما إذا ما هناك خطة استباقية للوزارة، يؤكد أنه لا يريد أن يستبق الأمور "فالموسم بدأ الآن. لذا دعونا ننتظر ونرى". أما عن الحالات التي تحدث ويتم التداول بها، فيرد بحزم: "لست ملزماً بالمعلومات التي تصل من هنا وهناك".

عند الاتصال بالخط الساخن المعني باستقبال الشكاوى في الوزارة، أكد المسؤول أن "لا شكاوى وصلت منذ اعتماد التعميم الجديد منذ سنوات، والذي يتم التذكير به كل سنة مع بدء الموسم".

جمعية "كفى"
مِمَ يتخوف هؤلاء العنصريون؟ تسأل منسقة برنامج "العاملات الأجنبيات في لبنان" في "كفى"، سمايا معتوق. وتكشف في حديث مع "المدن" أن "27 في المئة من اللبنانيين يعتبرون أن العاملة المنزلية ليست نظيفة، حسب دراسة قامت بها حملة "كفى عنف واستغلال" في شباط 2016، أي بمعنى أنها لا تهتم بنظافتها الشخصية، علماً أنها تقوم بكل الاعمال المنزلية الخاصة بالتنظيف في بيوتهم كما تقوم بالطهي أيضاً عند بعض العائلات، وهذا يدل على تناقض غريب".

تعتقد بعض العائلات التي لا تدفع بطاقة دخول للعاملة، أنها مجرد موظفة لا أكثر، وبالتالي فهي في دوام العمل وليس فترة نقاهة! وتشير معتوق أن هذا يدل على النقص الفادح عند اللبنانيين في ثقافة احترام الإنسان، بغض النظر عن مهنته أو لونه: "التغيير بحاجة إلى مسار طويل، على أن يترافق مع ضرورة سن قوانين تحمي العمال الأجانب من التمييز العنصري، لتنظيم شؤون العاملات الاجنبيات في البلاد بما يتناسب مع حقوق الإنسان، مع أهمية أن يكون للوزارات دور أقوى في هذا الشأن، كزيادة الحملات للكشف عن أي انتهاكات".

وتتحدث معتوق عن نظام الكفالة في لبنان الذي يزيد من الممارسة العنصرية وسلوكيات "التملك"، وتقول: "هذا النظام يعتمد على أساس أن الكفيل له الخيار الأول والأخير في اتخاذ القرار في كل ما يخص العاملة، من دون أي يكون لها خيار التفضيل أو الشكوى. وفي حال تقدمت بالشكوى عند وزارة العمل، أي الجهة المعنية، فيبقى دور الوزارة محدوداً في ظل نظام الكفالة. الكفيل هو الوحيد الذي له الحق في التنازل عن العقد. وفي حال تم هذا الأمر، يتم تهديد العاملة بتسفيرها إلى بلدها، ما يضعها أمام خياريّ السيء والأسوأ. أي إما الترحيل أو عدم تقديم الشكوى والتزام الصمت، في حال واجهت أي انتهاك. فتفضل العاملة عادة الخيار الثاني كي تحافظ على عملها".

نقيب أصحاب المجمعات السياحية البحرية
يؤكد نقيب أصحاب المجمعات السياحية البحرية، جان بيروتي، في حديث إلى "المدن"، أن المسابح عامة "ملتزمة بقرار الوزارة، أي بالسماح للعاملات الأجانب بالدخول والسباحة، على أن تلتزم العاملة بلباس السباحة. لكن هناك بعض الأندية المغلقة كمسابح الفنادق والمجمعات الخاصة غير المفتوحة للعموم، التي لديها شروط وسياسات خاصة بها. وهذا أمر خاطئ. ونحن نحاول التعامل مع أصحاب المؤسسات ومع كل حالة على حدا".

وفي حال لم يلتزم صاحب المسبح بقرار الوزارة، يضيف بيروتي إنهم يقومون بـ"توجيه الإنذارات. ولكن لم يتم إقفال أي مسبح حتى الآن. لأن المشكلة يتم حلها قبل الوصول إلى هذه المرحلة". والمعضلة، حسب بيروتي، "تكمن عند بعض العائلات والزبائن الذين يرفضون الإندماج مع المغاير، وليس عند صاحب المسبح، لأنهم هم من يجبرونه على اتخاذ شروط قاسية في بعض الأحيان". ويتساءل "لو فرضنا أن السفير الأثيوبي أتى وأراد السباحة مع زوجته في المنتجع، فهل سنقول له لا؟ للأسف، نحن نعيش في مجتمع مشوه وملتوٍ".

لبنان يناقض اتفاقية الأمم المتحدة
يبدو أن لبنان لم يلتزم بعد ببنود الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2106 ألف (د-20) المؤرخ في 21 كانون الأول 1965 (تاريخ بدء النفاذ: 4 كانون الثاني 1969، وفقاً للمادة 19)، التي تنص على أن تكفل الدول الأطراف لكل إنسان داخل في ولايتها، حق الرجوع إلى المحاكم الوطنية وغيرها من مؤسسات الدولة المختصة لحمايته، ورفع الحيف عنه على نحو فعال، بصدد أي عمل من أعمال التمييز العنصري يكون انتهاكاً لما له من حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ويتنافى مع هذه الاتفاقية، وكذلك حق الرجوع إلى المحاكم المذكورة التماساً لتعويض عادل مناسب، أو ترضية عادلة مناسبة عن أي ضرر لحقه كنتيجة لهذا التمييز".

كما لم يؤلف لبنان، حسب الاتفاقية، لجنة للقضاء على التمييز، التي ينبغي أن تكون مؤلفة من ثمانية عشر خبيراً من ذوي الخصال الخلقية الرفيعة المشهود لهم بالتجرد والنزاهة، بالإضافة إلى قرارات أخرى لم يتم تطبيقها حتى اليوم، كالمادة 2 من الاتفاقية، التي تحث الدول الأطراف على اعتبار كل نشر للأفكار القائمة على التفوق العنصري أو الكراهية العنصرية، وكل تحريض على التمييز العنصري وكل عمل من أعمال العنف أو التحريض على هذه الأعمال يثرتكب ضد أي عرق أو أية جماعة من لون أو أصل أثني آخر، وكذلك كل مساعدة للنشاطات العنصرية، بما في ذلك تمويلها، جريمة يعاقب عليها القانون.

حسب حملة تقوم بها الأمم المتحدة ضد ظاهرة التمييز العنصري وكره الأجانب والتعصّب منذ العام الماضي، ضمن هاشتاغ #كافحوا_العنصرية، تُعد مظاهر التمييز العنصري وكراهية الأجانب والتعصب من المشاكل الشائعة في جميع المجتمعات. مع ذلك، يمكننا جميعاً أن نتصدى للتعصب العنصري وغيره من السلوكيات المتعصبة، على أمل أن تصل الرسالة إلى كل أنحاء العالم، ومن بينها لبنان، الذي تم تصنيفه على أنه ثاني أكثر بلد عنصري في "استطلاع القيم العالمية" (World Value Survey)، كي تنحسر الظاهرة ولا تتفشى أكثر!


عودة الى الصفحة الرئيسية