إختر من الأقسام
مقالات وتحقيقات
'ولدنة سياسية' في لبنان.. تحولات وتوترات بالمنطقة والعين على تشرين!
'ولدنة سياسية' في لبنان.. تحولات وتوترات بالمنطقة والعين على تشرين!
المصدر : نبيل هيثم - الجمهورية
تاريخ النشر : الإثنين ٢٢ آب ٢٠١٨
صار الوضع مخجلاً!.. بهذه الجملة يردّ مسؤول كبير على محدِّثيه حول ما آل اليه حال التأليف، ثم يقدم ما يصفها الصورة الواقعية لهذا المسار، ويقول: «من اللحظة التي كلّف فيها الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، بَدا انّ لغماً انفجر في كلمة «تأليف»، وبعثر حروفها على نحو سَطا فيه كل طرف سياسي على حرف منها، وتمسّك به كمادة ابتزاز للطرف الآخر، وحَصّنه بمطالب وشروط ورفض لإمكانية التراجع او التنازل او المقايضة، او حتى بـ»ولدنة سياسية»، ما جعل من إعادة تجميع حروف هذه الكلمة مع بعضها البعض مهمة أكثر من مستحيلة».

على رغم هذا الانسداد، فإنّ المسؤول يرى انّ إمكانية التأليف ما زالت متاحة حتى الآن على «البارد»، والتوافق ممكن إذا ما توفّر شرط اساس صفاء النية وإرادة التأليف، لكنّ هذا الشرط غير متوفّر حتى الآن وربما لن يتوفر في أي وقت. ولكن ما يخشى منه هو ان نصل الى وضع ساخن يوقِع البلد في محظور يجبر المتقاتلين على الجبنة الحكومية الاذعان لتأليف حكومة كيفما كان، هذا اذا بقي الأفق مفتوحاً لتأليف حكومة!

قيل في هذا السياق انّ إمكانية التأليف قد تتوفّر من خلال الاستعانة بصديق، وثمة من وجد في الرئيس نبيه بري الشخصية الوحيدة القادرة على لعب دور مقرّب المسافات ومدوّر زوايا التعقيدات. وبالتأكيد انّ بري لا يمانع من حيث المبدأ بلعب اي دور من شأنه ان يضع الحكومة المعطّلة على سكة الولادة الطبيعية والمتوازنة، الّا انه لا يستطيع، بل يرفض ان يصفّق وحيداً، بل يجب ان يصفّق الجميع معه، ولذلك في ظل التعقيدات الراهنة والمزاجات السياسية المتقلبة، من الطبيعي ان يكون لبري شرط أساس للعب هذا الدور، خلاصته ان يطلب ذلك منه اولاً، والأهم من ذلك ان يتعهد الجميع ومن دون استثناء بالقبول بما سينتهي اليه، ويشكّل المخرج السليم لبلوغ حكومة وحدة وطنية مراعية للتوازن والشراكة ولا غلبة فيها لطرف على آخر، ولا يشعر فيها اي طرف انه مغبون. ولكن هل يقبل المختلفون على الحصص والحقائب بهذا الدور؟ حتى الآن لا شيء يؤشّر الى ذلك.

الخشية من بلوغ الوضع الساخن، لا يبنيها المسؤول الكبير، فقط من الوضع الاقتصادي المهترىء، وإن كان ينذر بأزمات وسلبيات لا حصر لها وعلى كل المستويات، بل انّ الخشية الكبرى يبنيها على احتمال وصول البلد الى لحظة عجز يصبح معها غير قادر على اللحاق بالتطورات المتسارعة من حوله، والتي قد تلفح ساحته بشكل مباشر بتداعيات ليس في الامكان تقدير سلبيّاتها من الآن. هنا يصبح الثمن اعلى والكلفة أغلى بكثير مما يمكن ان يدفع في الوضع البارد.

صورة المنطقة، وكما يرسمها المسؤول لا تبدو ثابتة، بل كأنها تتحرّك على شفير تحوّلات خطيرة. وثمة مؤشران اساسيان من شأنهما ان يرفعا الخشية، او بالأحرى القلق الى اعلى مستوياتهما، والتمعّن فيهما قد يحرّض على الاعتقاد بأنهما قد يكونان مترابطين مع بعضهما البعض في الزمان والمكان:

- الأول، العامل الاسرائيلي، إذ يبدو انّ الطاقم السياسي في لبنان، وخصوصاً من لهم علاقة مباشرة بمطبخ التأليف، بات يحتاج الى عدسات مكبرة ومقرّبة للمسافات، فمدى نظره يتعطّل عند نقطة الحدود، ولا يرى ما يجري خلفها، خصوصاً على الحدود الجنوبية، فثمة حركة غير اعتيادية في اسرائيل تبدو وكأنها تحضّر الطبول، والاسبوع الماضي انطوى على أمر بالغ الخطورة، تجلى في طرح الجيش الاسرائيلي على المجلس الوزراي الاسرائيلي السياسي والامني المصغّر 3 سيناريوهات لحرب على ايران و»حزب الله»؛ الاول حول حرب تمتد عشرة ايام، والثاني حول حرب متوسطة تمتد لثلاثة اسابيع، والثالث حول حرب طويلة تزيد عن شهر.

واضح انّ اسرائيل تقرع طبول الحرب، ولكن قد يقال انّ هذه الحرب غير ممكنة، خصوصاً انّ اسرائيل لم تصل بعد الى توفير الحماية الكافية لجبهتها الداخلية من الصواريخ التي يمكن ان تطالها، ويؤكد ذلك كبار الضباط الاسرائيليين. لكن هذا لا يمنع - والكلام للمسؤول الكبير - من الابحار في التجربة مع اسرائيل التي تؤكد انّ احتمالات الحرب قائمة دائماً ولا يجب إهمالها من الحسبان، وانها دولة لا يؤمن لها من القيام بأي خطوة عدوانية في اي لحظة. كما لا يمنع ابداً من طرح السؤال لماذا طرح هذه السيناريوهات الحربية في هذا التوقيت بالذات، ولأي هدف؟

الثاني، العامل الاميركي الايراني، الذي تَعنون في الفترة الاخيرة بإعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب استعداده للدخول في مفاوضات مباشرة مع ايران من دون شروط مسبقة.

تبعاً لذلك، تخلص قراءة المسؤول الكبير الى افتراض انّ دعوة ترامب قد تفسّر على انها «تكتيكية» أراد منها احتواء اندفاعة خصومه الديموقراطيين، وقد تفسّر على انها واحدة من محطاته التجارية، بحيث توخّى منها التخويف من البعبع الايراني، بما يمكنه من كسب مزيد من أموال الذين يهوون فتح خزائنهم امامه في مقابل التصعيد ضد ايران. ولكن الأهم من كل ذلك يجب التمعّن ملياً بأمرين:

- الأمر الاول، لطالما كانت اسرائيل المحرّض الاول على حرب اميركية ضد ايران، وبالتأكيد انّ «ايجابية» ترامب حيال ايران ودعوته الى التفاوض المباشر معها، يفترض ان تزعجا اسرائيل، لكن ما تبدّى هو العكس، ومن يراقب رد الفعل الاسرائيلي، يتيقّن من ان دعوة ترامب لمفاوضة ايران، لم تُثر هلعاً في الاوساط السياسية والامنية والعسكرية الاسرائيلية، بل انّ المناخ الذي عكسه الاعلام الاسرائيلي عكس اطمئناناً لدى السلطات الاسرائيلية بأن لا تغيير في السياسة الاميركية تجاه ايران.

- الامر الثاني، أخطر ما في الدعوة الاميركية للتفاوض المباشر مع ايران، أنها تأتي في ظل التحضيرات التي تجريها واشنطن لاستضافة اجتماع في تشرين الاول المقبل، بهدف تشكيل «ناتو عربي» اي نسخة عربية عن حلف شمالي الاطلسي تضم أعداء إيران بالدرجة الاولى. ومن شأن ذلك - إن حصل - أن يزيد التوتر بين واشنطن وايران.

والبديهي هنا توقّع ان تشهد الفترة الممتدة من الآن حتى موعد اجتماع تشرين الاول، مزيداً من الضغط على ايران، وربما بأشكال مختلفة، قد تترتّب عليها تداعيات في ميادين كثيرة في المنطقة التي يجب الّا ننسى انّ لبنان جزءاً منها.

في ظل هذه الصورة يقول المسؤول: «أنا مقتنع انّ السيناريوهات الحربية الاسرائيلية تبدو متناغمة او مكملة لدعوة ترامب، التي لا اعتقد انها بعيدة بدورها عن التحضيرات لتشكيل «الناتو العربي». الّا اذا حملت الايام المقبلة ما يجعلني أغيّر رأيي».
    share on whatsapp