إختر من الأقسام
ثقافة وأدب
'البؤجة': مسرحية وطنية تحاكي النكبة.. والاصرار على العودة رغم المعاناة والانتظار
'البؤجة': مسرحية وطنية تحاكي النكبة.. والاصرار على العودة رغم المعاناة والانتظار
المصدر : محمد دهشة
تاريخ النشر : الأحد ٢٧ شباط ٢٠١٨
قدمت فرقة "المسرح الوطني الفلسطيني" عرضا مسرحيا مميزا بعنوان "البؤجة" عبارة عن محاكاة بين نكبة فلسطين ومرارة اللجوء والاصرار على العودة، وذلك في قالب دارمي تناول أكثر من قضية سياسية واجتماعية وانسانية يعيشها الشعب الفلسطيني في المخيمات، لتؤكد مجددا ان الفن الملتزم رسالة وطنية تتكامل مع النضال الوطني بمختلف وجوهه اولا، وان الشعب الفلسطيني يرفض تحويل قضيته الى انسانية خدماتية ثانيا، ويصر على تحرير أرضه والعودة اليها وزرعها وقطف خيراتها ثالثا.

وإكتسبت المسرحية "البؤجة" التي أقيمت في مركز معروف سعد الثقافي في صيدا برعاية سفارة دولة فلسطين في لبنان، وتنظيم "الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين" بالتعاون مع "المجلس الاعلى للشباب والرياضة"، أهمية خاصة في توقيتها، كونها تأتي في ظل محاولات إميركية دولية متصاعدة لتصفية القضية الفلسطينية وشطب حق العودة، والضغط على القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس محمود عباس "أبو مازن" للقبول بالقرارات الاميركية بإعتبار القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني والإنخراط في "عملية السلام" وفق "صفقة القرن" التي تطالب الجانب الفلسطيني بتقديم المزيد من "التنازلات المرة": تبدأ بالقدس ولا تنتهي بقضية اللاجئين وشطب حق العودة.

وقد تألق الفنانون في تقديم عرضها، من "الالف الى الياء" على مدى ساعة ونصف متواصلة، وسط جمهور سياسي وشعبي حاشد، قوطعت مرارا بالتصفيق لتسجيل موقف، وهي من تأليف محمد عيد رمضان الى وإخراج محمد الشولي، ومن تمثيل: "عبد عسقول، أحمد الخطيب، جمال هنداوي، فرح هنداوي، محمد عوض"، بالاشتراك مع "وليد سعد الدين ومحمد عيد رمضان"، ألحان وغناء محمد آغا، وإيقاع أحمد الحاج مصطفى، سينوغرافيا أحمد الخطيب وخالد مسعود وإدارة المسرح محمد عوض.

و"البؤجة" عبارة عن قطعة حملها الأجداد الذين تهجروا عن فلسطين عام النكبة 1948 وحملوا فيها أهم ما يملكون من صكوك ملكية ومفاتيح المنازل وكل الوثائق التي تثبت حقهم في أرضهم، ولما أقاموا في لبنان بدأوا بتبديل "البؤج" بالتموين وباتت هي البديل المؤقت، بعدما اعتقدوا أياما معدودة ويعودون الى منازلهم وبلداتهم وبلدهم فلسطين.

وتروي المسرحية كيف أن "فالج" رمزا الى العدو الصهيوني، قد احتل أرض "أبو الخير" وزوجته "فكرية" أي فلسطين، فحرمهما من زرعها وريها وقطف خيراتها، وعندما تهجرا منها قسرا حملت "أم الخير" البؤجة" على ظهرها وفيها صكوك الملكية ومفاتيح المنزل، فبقي "فالج" يحتال عليهما من اجل الاستيلاء عليها واخفاء اي دليل على انهم اصحاب الارض امام المجتمع الدولي.

في مرحلة اللجوء الاولى، أصيب "ابو الخير" بالحزن وبقي منتظرا الحل، مرددا شعار "لازم تزبط" اي العودة الى ارضه، وهو يعول على المجتمع الدولي دون جدوى، كان مندوبوه يتفقدونه، ويحملون "البؤج" والمساعدات الانسانية ويقطعون الوعود فتبقى حبرا على ورق، الى أن قرر "الثورة" على الظالم وينزل الى الارض بنفسه ويحررها من المحتل الغاصب.

في المسرحية التي لم تخلو من الفكاهة والطرافة، تناول الفنانون قضايا عديدة ترتبط بالنكبة ومرارة اللجوء، والثقافة الفلسطينية مصحوبة بتساؤلات كبيرة، لماذا نحن دون غيرنا، كل الظروف المأساوية تظافرت عليهم، فرقت بينهم، كادوا يصابون باليأس والاحباط، أغلقت الابواب في وجوههم، تحركت عقارب الزمان الى الامام وبقي كل شيء على حاله من "المراوحة القاتلة"، سرق الوقت الفرح والأمان وكاد يقضي على الاحلام والابناء فانخرط في الحياة الجديدة "كامل" دون اي تفكير.

وعرضت المسرحية في فصولها المتعددة التي كانت تقطع بأغاني للفنان محمد آغا، لهذه القضايا، وأولاها: فان اللاجئين عند تهجيرهم القسري حملوا "صكوك الملكية" ومفاتيح المنازل التي بقيت شاهدا حيا على حقهم بالأرض، ولم يتنازلوا عنها رغم كل محاولات إستبدالها بـ "بؤج" التوين والمساعدات، وثانيها: تسليط الضوء على محاولة إستقطاب الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني تحت شعارات مختلفة نحو مفاهيم السلام وتقبل الاخر واعتماد الحوار كوسيلة لحل النزاعات وترسيخ معادلة التفاهم بين الشعوب في محاولة للمساواة بين القاتل والمقتول، بين الظالم والمظلوم، لكن الشعب الفلسطيني لم يستسلم وبقي يصر على حقه في الارض.

وثالها: رغم كل الظلم بقي الرهان على المجتمع الدولي قائما، وهو يقوم بالتسويف والمماطلة وبدلا من معالجة القضية كان يرسل "البؤج" كما فعل "شكري" الى أن رفضها "أبو الخير" وقرر الثورة.

وركزت المسرحية على موضوع "الهجرة" بطريقة مزدوجة، بين اختيار الحياة الرغيدة وبين التمسك بالقيم والثواب الوطنية، أوضحت أنها "مؤامرة" تطال جيل الشباب وتهدف الى تفريغ المخيمات ونسيان القضية، وطالت "خير" نفسه نجل "أبو الخير" الذي هاجر الى أميركا وبدأ يرسم حياة جديدة لا ينتظر فيها الوقت دون جدوى، فاعتقد والده خطأ انه نسي القضية، ولم يعد يبالي خاصة وان "صبري" الجار قد هاجر وعاد بثقافة غربية، تحاكي عصر العولمة والسرعة والتغيير، في تعبير لخصه "بكبسة زر تصبح في الجهة الاخرى من العالم"، ودعوته الى "عدم الانتظار والبقاء في المجهول"، قابله دفاعا "ابو الخير" بتعبير وطني "بأن أسمى الأماني العودة الى الوطن، والنوم في بيت الغير غربة، واللقمة من يد الغريب مذلة".

بين الثقافتين يكشف "أبو الخير" في نهاية المسرحية، أن "صبري" كما "خير" قرر العودة والزواج من "سيمون" التي أسست جمعية "هاجر" بعدما اكتشفت الحقيقة، فعادت معه ونزلوا جميعا الى الارض لتحريرها من "فالج" وإعادة حرثها وزرعها، مرددين "لن نقبل دارا غير دارنا، وسنموت ونعيش في هذه الارض دون سواها"، ليخلص الى ان التاريخ لا يمكن محوه، وأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن الحق السليب سيعود الى اصحابه عاجلا ام اجلا، وسيبني العائدون المستقبل.

ووصف رئيس الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين في لبنان ومخرج المسرحية محمد الشولي، المسرحية بانها تعبير صادق عن الفن الوطني الملتزم، الذي يحاكي النكبة وحلم العودة، بتعبير بسيط هو "البؤجة"، فأجدادنا حين تهجروا عن فلسطين قسرا حملوا "البؤجة" وفيها أغلى ما يملكون من وثائق تثبت حقهم بمنازلهم وأرضهم، ورغم كل التحديات والمغريات اصروا على التمسك بحقهم وعلى العودة الى الارض وهذا ما يطمح اليه الشعب الفلسطيني في كل اماكن لجوئه، فلا "الجنسيات العابرة للحدود" ولا "الثقافات المستحدثة" ستغير من هذه الثوابت والقناعات وسيعود الشعب الفلسطيني الى أرضه مهما طال ليل الاحتلال الاسرائيلي.

عرض الصور

    share on whatsapp