إختر من الأقسام
انترنت وتواصل اجتماعي
تقضي 5 ساعات في اليوم على إنستغرام.. وهكذا أفسد حياتها
تقضي 5 ساعات في اليوم على إنستغرام.. وهكذا أفسد حياتها
المصدر : عربي بوست
تاريخ النشر : الخميس ١٧ كانون ثاني ٢٠١٩
قبل عامين، تركت عملي في مجال العقارات، وبعت منزلي وتخلصت من 90% من حاجياتي حتى أتفرغ للسفر حول العالم. قررت التضحية براحتي ومعرفتي بالمألوف لأصير كاتبة رحلات وأخوض تجربة حياة عمادها المغامرة والاستكشاف. ومنذ ذلك الحين، زرت وزوجي أوروبا وأميركا الجنوبية وآسيا والشرق الأوسط موثقين كل خطوة في رحلتنا.

حتى أصبحت مهووسة بإنستغرام وقد أفسد ذلك حياتي.

غير هوسي بمنصة مشاركة الصور الطريقة التي أرى بها العالم، على نحو سيئ. لقد غير إنستغرام من طريقتي في السفر وبدأ في تغيير حياتي بطريقة لم أردها.

في الأصل بدأت في تصوير أسفاري على إنستغرام باعتباره طريقة لتوثيق رحلتي. كان ذلك أفضل من مدونة ليوميات السفر لأن المنصة أتاحت الصورة المرئية وكان التفاعل مع الناس الآخرين من الخصائص المدمجة فيها. جعل إنستغرام مغامراتي أكثر تفاعلية وحصلت على آراء ونصائح بشأن الأماكن التي كنت أزورها. بالإضافة إلى أنها كانت طريقة رائعة للتواصل مع الأصدقاء والعائلة في الوطن. كان الأمر ممتعاً في أغلبه في السنة الأولى، لكن المنصة أصبحت شيئاً فشيئاً وسيلة أستخدمها في نقد ذاتي والحكم عليها.

بدأت المشكلة عندما أدركت أن هناك الكثير من «المؤثرين» المتخصصين في السفر وكل واحد منهم كان ينشر بانتظام صوراً مذهلة نالت آلاف الإعجابات. عندما قارنت منشوراتهم والتعليقات وردود الأفعال التي حصلوا عليها بمنشوراتي، تدهورت ثقتي في نفسي. كنت قلقة لماذا لا تبدو صفحتي بجمال صفحاتهم؟.  

قررت حينها رفع مستوى أدائي وأعدت جدولة وهيكلة كل شيء ابتداء من جداول أسفاري إلى روتيني اليومي إلى طريقتي في التقاط الصور على أمل حصد المزيد من الإعجابات والمتابعين. بدأت التفكير في وجهات سفري من منظور مدى ملاءمتها لإنستغرام، بدلاً من مدى اهتمامي بزيارتها. وكنت إن زرت مكاناً جديداً، أقضي الوقت في تصوير قصص إنستغرام والتقاط الصور أكثر مما أقضيه في التمتع بالمدينة أو اللحظة.

قضيت الكثير من الوقت في التخطيط لصورتي التالية، واختيار الزي الذي سأرتديه والاستعداد ووضع مستحضرات التجميل وتجهيز مسرح الصورة والتقاطها وتعديل العشرات من الصور وكتابة التعليق المثالي والبحث عن الوسوم التي سأستخدمها والتخطيط للوقت الأمثل لنشرها ثم التجاوب مع التعليقات التي تصلني. حرفياً استغرق مني إعداد منشور واحد على إنستغرام ساعات عديدة.

كانت أول مرة أدركت فيها مدى تغلغل إنستغرام في حياتي إلى مستويات غير صحية عندما كنت أجهز صورة لإفطار على السرير في فندق في بالي. يستيقظ معظم الناس ويطلبون خدمة الغرف ومازالت أثار النوم في أعينهم، وشعرهم منفوش من أثر السرير ووجوههم خالية من مستحضرات التجميل. هذا هو هدف وترف تناول الإفطار على السرير، فلا يتطلب منك الأمر فعلياً مغادرة السرير وتهيئة نفسك لتقديمها للعالم. لكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لي. كان علي أن أستحم وأستعد وأضع مكياجاً على وجهي وأقص شعري وأتلاعب به قليلاً حتى يبدو طبيعياً وأعد أغطية السرير والوسادات وأجهز حامل الكاميرا الثلاثي. وبعد طلب كثير من الطعام، أكثر مما أستطيع تناوله، اتخذت مئات من الوضعيات غير الطبيعية لالتقاط صورة «طعام الإفطار» المثلى. بعدها بساعة وبعد التقاط 400 صورة لم يعد الطعام طازجاً وبردت القهوة وخالجتني مشاعر كثيرة ولم أكن مسترخية.

بين التخطيط للصور التي سأتلقطها وتصفح الصور المنشورة بلا هدف، كنت أقضي ما يقارب الخمس ساعات يومياً على تطبيق إنستغرام. أي 35 ساعة أسبوعياً، و150 ساعة في الشهر، و1,825 ساعة في السنة. سرعان ما صار إنستغرام أكبر التزام لديّ، لكنه لم يكن مجزياً لي على الإطلاق. لم ينمُ حسابي تقريباً، رغم أنني كنت أبذل فيه جهداً يعادل العمل بدوام كامل.

لم يعد التقاط الصور الرائعة هواية وشيئاً أستمتع به فعلاً، وسرعان ما صار هوساً وأشبه بعمل روتيني يستهلكني.

كنت أضحي بصنع ذكريات خاصة بي في سبيل خلق محتوى من أجل إحدى المنصات –ومن أجل المتابعين في حالاتٍ كثيرة- التي لم تكن تأبه بي. لكني كنتُ أخشى أن أتخلف عن الركب إن لم أنخرط في لعبة إنستغرام وأعلُ بمستوى المحتوى البصري الذي أقدمه. أن أكون نكرة.

الأسوأ من ذلك، أنني كنتُ كلما تعمقتُ في دراسة ما يفعله المؤثرون الآخرون، قضى ذلك على إبداعي أنا. صرتُ أشعر بالغيرة والاكتئاب كلما قارنتُ صفحتي الشخصية بصفحات الآخرين. كنتُ خيراً من أن أهوي في ذلك المنحدر، لكنني لم أستطع مقاومة الانزلاق في دوامة المقارنة. لماذا استطاعوا التقاط تلك الصورة التي يحلم الجميع بها والتي تخلو من أي أشخاص في الخلفية؟ هكذا سألتُ نفسي. كيف تبدو خالية من العيوب دائماً أثناء السفر؟ لماذا لا أملك عدداً مماثلاً من المتابعين؟ أو لماذا لا أحصل على عددٍ مماثل من الإعجابات؟ أو علاماتٍ تجارية ترغب في العمل معي؟

أقنعتُ نفسي أن كل ما أحتاج إليه هو الحصول على عددٍ أكبر من الإعجابات، وبعض المتابعين الإضافيين ومزيد من التعليقات، قبل أن أصير بمثل نجاح أي شخصية مؤثرة كانت تلهمني. لذلك، بدلاً من أبتعد عن استخدام إنستغرام، تعهدتُ أن أعمل بجهد أكبر.

صففتُ شعري واشتريت ثوب سباحة جديد. ومع قليل من المدخرات، سافرتُ إلى بالي للإقامة في فندق كان على لائحة أمنياتي، ولمحاولة التقاط أفضل صورة ممكنة جوار شلال استوائي. لكنني بدلاً من أن أستمتع بالمنتجع الفاخر ذا حمام السباحة الذي يبدو غير متناهٍ والمنتجع الصحي الراقي، أفنيتُ كامل يومي لالتقاط صورة تُبهر مستخدمي إنستغرام حقاً. بعد استعراض الصور ومقاطع الفيديو التي التقطتُها على مدار 6 ساعات، انتابتني خيبة أمل شديدة، إذ لم يكن أي منها بروعة صور هؤلاء الفتيات اللاتي أراهن في صفحتي الرئيسي. شعرتُ أنني بدينة جداً ومليئة بالعيوب وعادية للغاية. ومن ثم، ألغيتُ المشروع بأكمله ودخلت في عزلة مظلمة.

بعدها، لم يقتصر الأمر على الإقلال من الصور التي أشاركها، لكنني أًصبت بشللٍ افتراضي بسبب قلقي الخاص بإنستغرام. وبدلاً من المغامرة والخروج لاكتشاف المدن الجديدة التي ذهبتُ إليها، حبستُ نفسي في غرفتي بالفندق لا أفعل شيئاً. جلستُ على سريري لساعات، وأقنعتُ نفسي أن الصور لم ولن تكون أبداً جيدة بما يكفي، فلمَ الخروج والمحاولة من الأساس؟ بل لدرجة أنني ألغيتُ خططاً كنت أنوي القيام بها لأنني شعرتُ أنني لستُ جميلة بالقدر الكافي، أو لا أملك الثوب المناسب، أو حدثتُ نفسي بأنني لن ألتقط صورة تستحق نشرها على إنستغرام.

كنت أخوض معارك مع نفسي باستمرار، وأصابني هوس «الإعجابات»– وما تمثله من اعتراف الأقران بي-  بالاشمئزاز.

أدركتُ أنني نسيتُ لمَ كنت أفعل كل ذلك. لقد بعتُ منزلي وكل أغراضي كي أسافر. نقطة. لم أفعل ذلك للفت الانتباه أو الشهرة أو الثروة، وبالتأكيد لم أفعله كي أقتل نفسي وأنا أحاول إجادة خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي أو التحايل عليها.

بذلتُ الكثير من الجهد والوقت من أجل الحصول على الشهرة على إنستغرام، وفي المقابل، كانت المنصة تسرق مني وقتي وثقتي ومتعتي.

أدمنتُ استخدام إنستغرام وكنتُ أحصل على جرعة من الدوبامين كلما استقبلتُ إشعاراً جديداً. بعد الكثير من الأشهر الضائعة، أدركت أخيراً أن عليّ أن أفعل شيئاً. كنتُ قد اكتفيتُ من بذل وقتي وطاقتي –والمخاطرة بصحتي النفسية- في شيء تافه كصفحة رئيسية مليئة بالصور.

لذا سألتُ نفسي «كيف كنتِ ستسافرين إن لم يكن إنستغرام موجوداً؟»، في الواقع كنتُ لأتعلم وأرى وأفعل ما هو أكثر بكثير.  

إذا اختفى إنستغرام فجأة ولم أكن شديدة الانشغال بالتقاط الصورة المثالية وزواياها ومقاطع الفيديو، كنتُ لأتمكن من عيش اللحظة. لأكون صريحة، لم أعش هذا الشعور منذ فترة طويلة للغاية. وحتى عندما أعتقدُ أنني أعيش في اللحظة، أجد نفسي أفكر في الوقت الذي سيستغرقه إخراج هاتفي قبل أن ينتهي ذلك الشيء الرائع الذي أشهده.

الأكثر من ذلك أنني وصلتُ إلى درجة الاشمئزاز من زيف كل ما أراه على وسائل التواصل الاجتماعي. نفس هؤلاء الأشخاص الذين يدعون رغبتهم في أن يكونوا «حقيقيين» أكثر، ينشرون صوراً يُفترض أنها صادقة، بينما هي في الواقع منظمة بشدة واستغرقت ساعات إن لم يكن أياماً لجعلها مثالية. بل إن بعض الشخصيات المؤثرة تمادت إلى درجة حجز أوقاتٍ في شقق سكنية مصممة خصيصاً لتكون خلفيات أنيقة لصورهم التي يظهرون فيها بمظهر اللامبالي. ليس هناك ما هو حقيقي في ذلك.

الفتيات اللاتي يلتقطن الصور مبتسمات وإلى جانبهن أطباق إفطار غير مأكولة، لا يستمتعن بالوجبة. أعلم ذلك تماماً، فقد كنتُ واحدة منهن.

الأزواج الذين يقفون لساعات في وضعيات من أجل التقاط الصور في مواقع سياحية مزدحمة لوضعها على إنستغرام، لا يعيشون أفضل أيامهم. بل هم متعرقون ومتوترون ومرهقون ويغفلون  تماماً عن الشيء الذي يحاولون التقاط الصور له. أعلم ذلك تماماً، فقد كنتُ مثلهم.

تجعلنا تلك الصور نتوق لحياة هي ببساطة غير موجودة. ثم، عندما نعجز عن تحقيقها، نشعر بالأسى على أنفسنا. الأمر مقزز، وقد تمادى كثيراً.

ولذلك من الآن فصاعداً، سأعقد اتفاقاً مع نفسي فيما يتعلق بتطبيق إنستغرام.

إذا كان بإمكاني التقاط صورة رائعة خلال النشاط الذي أمارسه بالفعل، في ثوب أرتديه بالفعل، وموقع كنت سأذهب إليه أصلاً، فهذا رائع؛ سألتقط بعض الصور وأنشرها. إن لم تحقق الصورة إعجابات كثيرة، فعلى الأقل سيكون لدي ذكرى وصورة ضبابية صادقة توثقها. عندما أنظر الآن إلى مغامراتي السابقة، أجد أن الصور الحقيقية غير المُدبر لها، وصور السيلفي التي تبدو تافهة، هي ما تطرب قلبي. وليست تلك الصور المُنسقة المُعدلة بإفراط والمُصطنعة بالكامل.

لم أنشر أي شيء على إنستغرام لفترة تزيد على الشهر، لكن أظن أنني مستعدة لتجربة الأمر مرة أخرى؛ وفق خطتي الجديدة. لا يهمني إن كانت خطتي الجديدة في النشر ستجعل الإعجابات التي أتلقاها أقل، وإن كنت سأعجز عن مجاراة مستخدمي إنستغرام الآخرين. أدركتُ أخيراً أن ما يهم هو أين أنا ومن معي، وما أراه وأتعلمه بينما نحن معاً. لا أعلم ما ينتظرني -أين سأكون بعد 6 أسابيع أو 6 أشهر- لكنني موقنة بأن روحي ستكون أكثر سعادة بقضائي وقتاً في السفر وعيش الحياة أكثر من استخدام تطبيق إنستغرام.

باعت كاشلي كوتشران بيتها و90% من ممتلكاتها كي تعيش الترحال وتجوب العالم. وهي مؤسسة مشاركة لمدونة TravelOffPath.com الشهيرة والمتخصص في السفر، ومؤلفة كتاب The High Maintenance Minimalist.
    share on whatsapp