إختر من الأقسام
ثقافة وأدب
نورا مرعي: الشعر والرواية يمتزجان في رحلة الكلمة
نورا مرعي: الشعر والرواية يمتزجان في رحلة الكلمة
المصدر : رنا صادف - البناء
تاريخ النشر : السبت ٢٦ أذار ٢٠١٨
برعم الكتابة أزهر لديها منذ الصغر، وبرعم الشعر أزهر مع تجاربها، وأنبتا شيئاً فشيئاً مع الإصرار والعزيمة حتى اكتسبت معنى التحمّل والمثايرة. فهي تحمل طوق النجاة في رسالتها، التي شاءت أن تعبر بها الفلك وتحقّق دوراً لافتاً في مجال الكتابة الروائية والشعرية والعلمية. كاتبة، وشاعرة وأستاذة، تستخلص مجال الإبداع والاكتشاف لتحقيق مبتغاه في حقول العرفة والعلم.

وُلدت نورا مرعي في حارة صيدا، وترعرعت فيها، تمارس التعليم منذ أكثر من عشر سنوات، كما أنّها منسقة للغة العربيّة، ومدرّبة أكاديمية في ما يتعلّق بطرائق التدريس الحديثة، تدقّق لغويّاً لبعض الكتّاب ولطلاب الدراسات العليا، حائزة على دكتوراه باللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية، تعشق اللغة العربية عشقاً جعلها تنقل هذا العشق لكلّ مَن يقترب منّها، كما أنّها تعشق مهنة التعليم، وتحبّ أن تحبّب تلامذتها بلغتهم العربية.

كوّنت ثقافتها من قراءاتها العديدة منذ الصغر، إذ كانت تشتري كتب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومصطفى لطفي المنفلوطي وغيرهم من الكتّاب، وتقرأ كلّ ما يقع بين يديها، وتجمّع خطّياً كلّ الجمل التي تنال إعجابها، حتّى صارت والكتابة واحداً، وصارت حياتها مرتبطة بجنون الكتابة.

من دفتر صغير إلى النضج المعرفي

«إنّها اللحظة التي لا تُنسى حين كنتُ أكتب فوق كتبي في حصص التعليم، وحين كنتُ أمسك بدفترٍ خاصّ وأدوّن عليه خواطري الكتابية»، تقول نورا مرعي، و«إنّها اللحظة التي عرفت قيمة الحرف حين يتربّع عرش صفحاتي الصفراء. لقد كانت بدايتي في المرحلة الثانوية، وكنت أكتب خواطر صغيرة على دفترٍ صغير حتّى اكتمل نضجي المعرفي، وتغيّرت طريقة كتابتي وصرت أكثر إبداعاً، وأكثر جمالاً… وصرت والحرف كتوأمَين لا يفترقان».

التكثيف اللغوي وأهميته الإيحائية

قصيدة النثر شعر جميل، وهو مستقلّ ومتفرّد بحروفه وكلماته، وبرمزيته العالية، وتكثيفه المعاني إلى درجة التأويل.

وتقول نورا مرعي عن قصيدة النثر: لا يمكننا أن نقول إنّ قصيدة النثر ليست شعراً، بل هي كذلك بعيداً من الالتباس الحاصل في حياتنا اليوم، فهذه القصيدة لها أسسها ولها طرائقها، فمَن يكتبها يدرك تميّزها بوحدتها العضوية، فهي ليست مادة عادية لكلمات مبعثرة لا معنى لها، بل هي كلّ متكامل لا يمكن الحذف أو التأخير بين عناصرها، وهي شكل دفعنا إلى الخروج من عالم التقليد بكثافةٍ عالية، وأشدّد على الكثافة لأنّها من أسسها المهمّة، فالتكثيف اللغوي يجعل اللغة تشرق بثقلٍ إيحائيّ، يمكّن القارئ من الانتقال من حالة الوعي إلى اللاوعي كي يعرف أهمّية الرؤيا، وهذا الإيحاء يهزّ العمق الإنساني في عالم جديد يطمح الشاعر في الوصول إليه. لذا، يبرز الرمز والإيحاء وتراسل الحواس وفي العمق الفكري، بعيداً من النمط الواحد المتكرّر، بحرّية قائمة على قطبَيْن: الهدم والبناء. هدم كلّ ما هو تقليدي، وعدم الاهتمام بالبناء الفنّي، وفتح باب البناء بقوّة هدّامة تعمل على نفي الشكل القديم، لنصل إلى بناء شعريّ فريد في نوعه. وفي ذلك نتذكّر ما قاله أدونيس في قصيدة النثر: «أمّا قصيدة النثر فذات شكل قبل أيّ شيء، ذات وحدة مغلقة، هي دائرة أو شبه دائرة لا خطّ مستقيم، هي مجموعة علائق تنتظم في شبكة كثيفة ذات تقنية محدّدة وبناء تركيبي موحّد منتظم الأجزاء متوازن، تهيمن عليه إرادة الوعي التي تراقب التجربة الشعرية وتقودها وتوجهها، إنّ قصيدة النثر تتبلور قبل أن تكون نثراً، أي أنّها وحدة عضوية وكثافة وتوتّر قبل أن تكون جملاً وكلمات».

وتتابع: يتبيّن لنا أنّ الشكل والنظام في قصيدة النثر لهما حضور فاعل، لأنّ القصيدة تتميّز ببنيتها الدائرية تُبنى على أساس التكرار.

شعر… رواية

ما بين الكتابة الشعرية والروائية مساحات من الاختلاف، ونورا مرعي تجمع بين الشعر والكتابة، حيث تقول: يختلف عالم الشعر عن عالم الرواية، لكنّني متأثّرة جدّاً بعالم الرواية إذ يفتح لي المجال بالتعبير والكتابة بحرية تامّة. ورواياتي «هذا هو قدري»، «ستحبّينني يوماً»، و«لا أخشى النسيان»، القارئ يعرف من خلالها أنّ نفحاتي الشعرية والأدبية حاضرة بقوّة، إذ لا أستطيع أحياناً أن أخرج عن هذا الطابع، وكأني مجبولة به، لا أقوى على فراقه، وكأن الشعر والرواية يمتزجان معاً في رحلة الكلمة، حتّى يظنّ القارئ أنّني أتعكّز بالشعر في كلّ رواية كي أنتقل إلى عالم الروح، وأنقل معي كلّ مَن يقرأ كلماتي في رحلةٍ واسعة المعالم، لا حدود لها. فيضيع معي في القدر المنتظر في الرواية الأولى، ويعيش حبّاً عفيفاً وتحدّياً كونياً في العلاقات الإنسانية في رواية «ستحبّينني يوماً» ليصل معي ويفتح باب النسيان على مصراعيه، ويلاعب رياح التغيير في رواية «لا أخشى النسيان». الكتابة عندي عالم روحاني، لا أختارها إنّما تختارني، وتحملني على جناح الحياة فأحلّق معها، وأنتقل إلى غابات ووديان وجبال لأسقط فوق أرض الكتابة الخصبة، فأحصد بعشوائية المشاعر وأتحكّم بقلمي وأمزج حبري بالحياة، وأكتب ما يشاء القلب لا العقل، لتكون كلماتي صعبة الإرضاء، سهلة التكوين الفعليّ حين تُبحر معي في رحلتي القدرية الحلوة والمرّة.

لا حدود للشعر، لأنّ الشعر متنفّس الشاعر الوحيد، ونبع لا ينضب، وكلمة لا تنتهي، وأبواب تُفتح ولا تُغلق على عوالم الدنيا… والشعر إن غُلّف بالتقييد غاب الإبداع عنه، ورُمِي فوق النسيان، الشعر روح والروح لا حدود لها، تحلّق أينما شاءت، وتعود وفي جعبتها كلمات ورؤى وتأويلات لا يحقّ لأحدٍ أن يمنعها من الخروج، وأن لا يعمّمها فوق مساحات الكتابة بحسب نورا مرعي.

سحرٌ وغواية ونبض حياة

يقول مالارميه: «القصيدة سرّ، وعلى القارئ أن يبحث عن مفتاح»، تعلّق نورا مرعي على ذلك بالقول: القصيدة سحرٌ وغواية ونبض حياة غافٍ فوق كلماتٍ ممزوجة بآهات الشاعر وأنّاته الموجعة، ربّما تنقل دمعاتك الحارة كي يراها القارئ بتأويلاته الخاصّة، وربّما تمدّ لك اليد لتنهض بكفّ ممزّقة، فتكتب تمزّقات الروح كي لا تعيش إحباط الحياة. وربّما دسّتك بين أسطرها كي تعيش غدك بأمل لا غياب له… وهذه القصيدة تحمل أسرارك، تأوّهاتك، فلسفتك في الحياة، فتمدّ ضوءك في عتمة الليل ليقرأك القارئ في فجر يدنو فيه من كلّ مفاتيح حياتك، قد يأوّلها تأويلاً خاصّاً، ويعبث بأفكارك بطريقته. وقد يدنو من مفتاحك الحقيقيّ، فيتأثّر وتتبدّل مشاعره بما يُناسب رؤيتك الحياتية الخاصّة. لذلك، أرى أنّ القارئ يجب أن يمتلك مفاتيح عدّة كي يدخل في أحجية القصيدة، ويعرف ترنيماتها وهمساتها، فهل سيقوى القارئ على أن يحيا مع أفق الحرف؟ وأن يعيش قيظ الأشواق وحرّ الأمنيات؟ وأن يتعثّر بأوجاع الشاعر إذا مرّت القصيدة فوق أطياف الحبّ والألم؟ فالقارئ المتمكّن من دخول عالم الشعر سيمسك بشعلة النور ويدخل عالم الشاعر الصامت ليكتشف صفاءه الخاص، ويستقرئ محبرته ويلوّح بتأويل متنوّع لعالمٍ لا يدرك كنهه إلّا مَن أمسك مفتاح الشعر وعرف بابه الحقيقيّ.

النقد

يهدف النقد بحسب مرعي إلى تفسير الأعمال الأدبية، ولفت النظر إلى مَواطن القوّة والضعف، والتركيز على جمالية القصيدة، ويعدّ النقد مهماً في عملية تقييم عمل الشاعر، ومساعدته في التصويب والتغيير، كما يساهم في تأويل العمل وتفسيره بطريقة إبداعية، ويستطيع الناقد أن يفهم أسرار القصيدة ويقدّم مفاتيح مميّزة للقارئ.

وتقول: لكننا نعاني حالياً نقداً أدبياً غير صائب، ويعود الأمر إلى غياب النقد الحقيقي، وتوجّه النقّاد صوب عشوائية النقد، إذ صارت بعض الأعمال الأدبية تصل إلى مستويات عالية نتيجة نقد مميّز يقوم به بعض النقّاد، وإنْ اطلعت على العمل لأصبت بصدمة فكرية، لأنّك لن ترى المستويات الجمالية التي تكلم عليها أو أشار إليها، وهذه العشوائية تلغي المصداقية التي تعوّدنا عليها عند النقّاد، ويؤسفني أن العلاقة القائمة بين القصيدة والنقد لم تعدْ كما كانت عليه سابقاً. فالنقد والأدب كانا انعكاساً فعليّاً لذوق سليم وأدب رفيع، وكان الناقد هو البصر الثاقب، وهو خير معين لإصدار حكم فريد في نوعه لأي عملٍ أدبيّ مميّز، فأين نحن اليوم من هذا كلّه؟!

عالم الأطفال

ترى نورا مرعي إنّ عالم القراءة الخاص بالطفل له مفاتيحه وأسسه، وله مميزاته الكتابية، إذ علينا أن نراعي مستويات الأطفال الفكرية واللغوية، وأن نقدّم له أدباً يسعى إلى تقديم ما يحتاج إليه من بناء عقليّ سويّ، ونفسيّ سليم في آنٍ. ولكي نؤمّن له هذه الاحتياجات علينا أن نختار المواضيع التي تساعده في عملية تكوينه المعرفي والعقلي والنفسي، وأن تكون المادة الأدبية المقدّمة مشوّقة ومحبّبة كي نشجّعه بطريقة ما من خلال المواضيع اللافتة للنظر على القراءة. لأنّ القراءة تساهم في تكوين معرفته، وتساعده في اكتساب مخزون لغويّ كبير ومتنوّع، وتساعده أيضاً في اكتساب قيم عدّة نسعى إلى بثّها في أدمغة أطفالنا.

ويكون التشجيع أيضاً من خلال نشر ثقافة القراءة في البيت أولاً، وفي المدرسة ثانياً، خصوصاً أنّ الطفل إذا اعتاد على القراءة منذ الصغر، لن يستطيع التخلص من هذه العادة، وسيمارسها في حياته. كما يكون التشجيع من خلال إعادة تغيير منهجية التعليم في المدارس من خلال إعطاء المطالعة مساحة خاصّة لها ضمن حصص التعليم المعتمدة في الصفوف، فمن شأن هذه الحصص أن تُكسب المتعلّم/ الطفل فائدة معيّنة، وتساعده في رفع مستواه الأكاديمي وتساهم في زيادة وعيه، ناهيك عن أنّها تزيد من مهاراته الفكرية والإبداعية والخيالية.

وعن التعليم، تقول: بالنسبة إليّ، إنّ التعليم مهنة سامية ورسالة سماوية، إنْ لم تعشقها، لن تتمكّن من التغلب على الصعوبات المتعدّدة التي تواجهك في أثناء ممارستها. وأنا أمارس التعليم منذ 12 سنة، وما زلتُ حتّى اليوم، لذا، أرى أنّ عشقي مهنتي قد سهّل عليّ صعوبات عدّة، منها التعامل مع متعلّمين يرفضون لغتهم الأمّ، ويرون أنّ اللغة العربية لا فائدة منها، يرفضون التكلّم بها، لأنّها وفقاً لرؤيتهم الخاصّة هي لغة صعبة ولا يعرفون التكلم بها، ولكي ألغي هذه الفكرة كان عليّ أن أسعى بكلّ ما أملكه من أدواتٍ كي ألغي هذه الفكرة، وكي أحبّب المتعلّمين بها، كما واجهتني صعوبات مع بعض المتعلّمين الذين يرفضون فكرة متابعة تعليمهم، خصوصاً في المرحلة الثانوية، إذ يرغبون بترك التعليم لرسوبهم في مادّة ما، أو ربّما لأنّ الصعوبات التي تعترضهم، تدفعهم إلى أخذ هذا القرار، فكان عليّ كمعلّمة أن أعرف كيف أتعامل مع هذه الفئة التي تعاني تشتتاً حيناً، وضياعاً أحياناً. ويجب أن لا ننسى أنّ هذه الفئة تنتمي إلى مرحلة المراهقة التي تعدّ من أصعب المراحل. ومن الصعوبات التي واجهتني أيضاً أنّ الصفوف تضمّ عدداً كبيراً من المتعلّمين، وكلّ واحد منهم له رأيه وفكره ورغبته المغايرة لغيره، فبعض المتعلمين أستطيع التعامل معهم بيُسرٍ، وآخرون أحتاج إلى جهدٍ مضاعفٍ معهم كي أتمكّن من اكتسابهم وشدّهم إلى عملية التعلم التي لم تعد سهلة، فالمتعلّم صار بإمكانه الحصول على المعلومات بكبسة زر، فصارت مسؤوليتي أكبر، وطريقة تعليمي مغايرة لتُناسب هذا التغيير الكبير الحاصل في المجتمع.

رحلة شائكة نحو القمّة

ترى مرعي أنّها في رحلةٍ شائكةٍ نحو القمّة، تسعى إلى تحقيقها بعملها الدؤوب، كما تشعر بأنّها تواصل مسيرتها بتحقيق أحلامها المتعدّدة، فلا وقت لديها لتتوقّف عند العواصف التي تضرب دربها.

وتقول: الوقت هو أغلى ما أملكه، والفراغ يقتلني، لذا أقوم بتسيير دفّة الحياة كما أرغب، وأضيء بعض مفاصل العتمة بكلماتي التي أراها تحلّق بي نحو عالمي الروحي، واكتمالي بالأمل هو نقطة قوّتي. كما لديّ رسالة تعليمية أعمل عليها منذ أن بدأت رحلتي في التعليم، وهي أن أحبّب كل تلامذتي بلغتهم الأمّ، وبوطنهم الذي لا أحبّ أن يفكّروا في تركه أبداً.

سحر الحياة

الحياة سحرٌ يتحقّق بمدى استقرارك النفسي، حسبما تقول نورا مرعي، وبمدى ثقتك بنفسك وبما تقوم به، وباقتناعك الفعليّ بأنّ أحلامك وطموحاتك هي التحدّي الأكبر في حياتك، وبأنّ أيّ مواجهة صعبة لا بدّ أن تزول ذيولها بالأمل. فالحياة ليست سهلة، ولكنّها تجربة ذات حدّين، وتعطينا القدرة على الوقوف لا السقوط، هي امتحان صعب، يجب أن نكون مستعدّين له، ورسالتنا في الحياة تجعل الاختبار سهلاً، وننجح في تحقيق ما نصبو إليه.

وختاماً تقول: إنّ الحياة كلمة وحرف ومنعطف شائك يحلو لي التسكّع فوق جادته بإيمانٍ قويّ ونظرة أمل واضحة المعالم وسعي دؤوب نحو التميّز.
    share on whatsapp