إختر من الأقسام
آخر الأخبار
متفرقات | صيدا
حرفة 'الصدف' في صيدا القديمة.. تقاوم الإندثار
حرفة 'الصدف' في صيدا القديمة.. تقاوم الإندثار
المصدر : نداء الوطن | محمد دهشة
تاريخ النشر : الأربعاء ١٨ آب ٢٠١٩

في رحاب حارات صيدا القديمة وقناطرها الحجرية، وعلى بعد مئات الأمتار من ميناء الصيادين المفتوح على البحر، يجلس محمد خليل نصر الله، أمام محله المتواضع في "سوق العقادين،" بجوار ساحة "باب السراي"، ينتظر مجموعة من السواح العرب أو الاجانب كي يبيعهم منتوجاته الصدفية المتنوعة الاشكال والاحجام التي تزدان بها الواجهة كما الجدران، والتي تضفي رونقا من الجمال على المكان، يمسك بين يديه علبة من الخشب، يقوم بتطعيمها بقطع من الصدف، فتحولها من مجرد "علبة خشبية" إلى "تحفة فنية" مميزة، تستخدم للزينة ولوضع المحارم.

يشرح نصر الله المراحل المختلفة لصناعة التحف الصدفية، يقول "تبدأ من جمع الأصداف نفسها، من على الشاطىء الصيداوي حينا ومن عمق مياه البحر أحيانا، أقوم بتنظيفها وغسلها بمواد خاصة أشتريها من الأسواق، قبل تعريضها لأشعة الشمس وفرزها وتوضيبها، ومن ثم صناعة الشكل الذي أريد سواء من تحف فنية راقية، أو عقود أو أساور أو مجمسات تراثية، حتى وصل الأمر الى صناعة طائرة حربية وأخرى مروحية "هليكوبتر"، في محاول لادخال الجديد الى هذه الحرفة القديمة.

وصناعة الأشغال الصدفية، حرفة عرفتها صيدا منذ عقود طويلة، نتيجة علاقتها المتواصلة مع البحر وصياديها، ولكنها اليوم باتت من الحرف النادرة التي يحافظ عليها البعض برموش العيون، ويكاد يكون نصر الله الوحيد "الصامد" فيها، يؤكد ان "حفظي لهذه "الحرفة" ليس مجرد "مهنة"، لكسب "قوت اليوم" على أهميته، وانما للحفاظ على تراث الاجداد والاباء كإرث تاريخي للمدينة القديمة، تكاملا مع مساعي المؤسسات الاهلية للاهتمام بمعادلتي الحجر والبشر معا.

ويقول نصرالله البالغ (60 عاما)، "منذ عقدين من الزمن وأنا أعيش مع الصدف، أترجم الافكار التي تجول بخاطري الى تحف، أكاد أكون الوحيد في المدينة الذي ما زال يحافظ على هذه الاشغال، علما انني لم أرثها عن أبي أو جدي، وانما عشقتها منذ طفولتي، كنت أهوى جمع الأصداف وتحويلها الى اشغال يدوية، فأصبح لدي مخزون كبير منها، الى ان أفتتحت هذا المحل المتواضع، لأعرض فيه منتوجاتي الصدفية، كي أحافظ عليها من الانقراض والاندثار، وأكسب قوت يومي بعرق جبيني، والحمد لله رغم كل الركود الاقتصادي والضائقة المعيشية اصبح لدي زبائن وأبيع بالجملة والمفرق".

بيد أن نصر الله، عاد وتنهد طويلا مردفا، "صحيح انني نجحت بتأمين احتياجات عائلتي المؤلفة من ستة أفراد، الا ان أحدا من ابنائي لم يرغب بإحترافها، قبل سنوات أحب أحدهم هذه الحرفة، عمل قليلا فيها ثم تركها، لم تعد تناسب جيل الشباب في ظل العولمة والنت و"الفضاء الافتراضي" ووجود فرص عمل أفضل وأكثر ربحا".

ورغم ان هذه الحرفة تكفي لتأمين كفاف العيش، يفتخر نصر الله، انه يحول القطع الصدفية، بأنامله الخفيفة الى تحف فنية، تبهر من يراها، تلفت انتباه المواطنين، فيقبلون عليها لندرتها ورخص أسعارها، في محله تجد أوسع تشكيلة، عشرات السلاحف، التماسيح، الاسماك، الورد، الأساور والعقود المتعددة الاشكال والاحجام والتي تناسب جميع الاعمار، الى جانب مجسمات بحرية وبرية لمغاور وسفن تجارية وقد أدخل الى بعضها الانارة للدلالة على روعتها وجمالها، فضلا عن صدف نحت عليها أحرف لأسماء الاشخاص والأبراج وعبارات دينية مثل “الحمدلله”، “الله اكبر” وأخرى غزلية، يقول "ان كل قطعة تحتاج الى وقت مختلف، أقلها ساعة والاكثر مبيعا "حبة الموريكس" التي اكشتفت على شاطىء صيدا وأستخرج منها لون الارجوان، واكثرها شهرا مثل "السفينة الكبيرة" التي ترمز الى المدينة وبحرها وصياديها في معادلة ثلاثية الابتعاد، يفاخر ابناؤها باقتنائها في منازلهم، دلالة على ارتباطهم التاريخي بالبحر ورزقه"، مضيفا "ان هذه التشكيلة تعجب مختلف أذواق المواطنين، شبانا وفتيات وهي غالبا تكون هدية من شخص الى آخر أو زينة في المنزل، إذ ان كثيرا من الصيداويين يرون في الصدف "فأل" خير وسعادة".

ويحرص نصرالله على نحت الأرزة اللبنانية على أصداف ثمينة تكون حينا من الأرجوان أو المحار وحينا آخر من "البوق" كي يخلد لبنان بشموخه وشعاره، إضافة الى صناعة نموذج مصغر عن قلعة صيدا او بعلبك او القدس والأقصى ولها زبائن كثر، تنال إعجاب أبناء المدينة والوافدين اليها وخصوصاً المسافرين الذين يتشوقون لرؤية تاريخ وتراث بلادهم، فضلا عن السياح العرب والاجانب الذين يقبلون على شرائها والتقاط الصور لها وسط تشجيع وتقدير، بينما يختلف سعر الاشغال الصدفية بين واحدة واخرى، تبدأ من الالفين ليرة وتنتهي بـ 300 الف ليرة لبنانية.

في أحياء صيدا القديمة وبخاصة "باب السراي" وفي الازقة والاسواق، تنتشر عشرات المهن التراثية والحرفية التي تعاني الركود نتيجة عدم التشجيع تعاند الاندثار، رغم انها تكون محطات اساسية خلال زيارة السائحين الى المدينة القديمة، ويعتبر نصر الله "ان حرفة الصدف لم تنل نصيبها من الدعم والتشجيع من الوزارات والادارات الرسمية بحيث يتم إنشاء معهد أو مركز للتدريب، وهي في كل الاحوال حرفة لا تحتاج الا الى ارادة وجهد وذوق رفيع قبل كل شيء"، مؤكدا "ان هذه الحرفة باتت اليوم مهددة بالانقراض وعلى المسؤولين اللبنانيين دعمها وتشجيع اصحابها، فهذه الاشغال تجمع بين الماضي والحاضر وتؤسس للمستقبل".

وتمنى نصر الله "ان يتمكن ذات يوم من افتتاح معرض دائم بالتنسيق مع وزارة السياحة التي ما زالت غائبة عن الاهتمام بحرفيي هذه الاشغال وخاصة ان غالبية أصحاب الحرفة تركوها ليعملوا بمهن أخرى توفر لهم دخلاً أعلى"، خاتما "الشيء الأصلي كلما يتقدم به الزمن يرتفع ثمنه، لكن في زماننا هذا، أصبح الشيء الأصلي نادراً جداً، الناس في الأزمنة الماضية كانت تبحث عن التحف والفن، لكنهم الآن يبحثون عن البديل والتقليد والأرخص".

عرض الصور


عودة الى الصفحة الرئيسية