إختر من الأقسام
الآن
إقتصاد وأعمال | لبنان
نوافذ جديدة لمنح القروض السكنية في لبنان
نوافذ جديدة لمنح القروض السكنية في لبنان
المصدر : علي نور - المدن
تاريخ النشر : الأربعاء ٢٣ أيلول ٢٠١٩

شهدت الأيام الماضية حركة استثنائيّة لرئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للإسكان، روني لحود، عبر اجتماعات متتالية مع عدّة أطراف معنيّة بملف قروض الإسكان. وعلى ما يبدو أفضت هذه المبادرة إلى مجموعة من المعالجات الجزئيّة والمتفرّقة، والتي قد تساهم في تلبية قسم محدود من الطلب على قروض الإسكان في السوق. كما من المفترض أن تساهم هذه المعالجات في حل أزمة شريحة واسعة من القروض السكنيّة الممنوحة سابقاً، والتي يعاني أصحابها من تعثّر في الدفع اليوم.

قروض جديدة بدل المتعثّرة
في الاجتماع الذي جمع لحّود بحاكم المصرف المركزي، جرى البحث في آليات تطبيق مبادرة جديدة لم يتم اللجوء إليها سابقاً، تقضي بالسماح للمقترضين المتعثّرين بنقل ملكيّة الشقّة السكنيّة مع القيمة المتبقية من القرض السكني إلى مقترض جديد من الراغبين بتملّك شقّة سكنيّة، في حال توفّر الشروط المطلوبة في المقترض الجديد. ومن المفترض أن تمر هذه العمليّات –حسب المبادرة المطروحة- بسلسلة من الإجراءات الإداريّة للحصول على موافقة المصرف المانح للقرض، بالإضافة إلى موافقات كل من مصرف لبنان والمؤسسة العامّة للإسكان.

وهكذا، من الممكن حل أزمة جزء من الراغبين بالحصول على قروض المؤسسة العامّة للإسكان بواسطة هذه الآليّة، ومن دون اضطرار المصارف إلى زيادة حجم القروض السكنيّة الممنوحة. كما سيتمكّن المقترضون الجدد من الاستفادة من الشروط السابقة ذاتها والجذابة لقروض المؤسسة، كونهم سيتابعون سداد القروض القديمة نفسها، بمعزل عن أي تغيّرات شهدتها الصيغ المعتمدة لقروض الإسكان الجديدة بفعل ارتفاع الفوائد في السوق.

أمّا من ناحية القروض المتعثّرة، فستحقق هذه العمليّة مصلحة مشتركة لكل من المصارف الخاصّة ومصرف الإسكان ومصرف لبنان على حد سواء. فمع تزايد الضغوط الناتجة عن الظروف الاقتصاديّة، تزايدت وبشكل كبير نسبة القروض السكنيّة المتعثّرة التي يعجز أصحابها عن الإيفاء. وهو ما بات يشكّل أزمة لكل من المصارف الخاصّة التي تمنح هذه القروض، ولمؤسسة الإسكان التي تلتزم دفع الفوائد بالنيابة عن المقترض قبل أن يقوم بسدادها للمؤسسة لاحقاً. كما ساهم توقّف المصارف عن منح القروض السكنيّة في تعميق هذه الأزمة. إذ أصبح من الصعب على المقترضين المتعثّرين إيجاد مشترين جدد للشقّق السكنيّة لسداد قيمة القرض المتعثّر، بسبب عدم منح المصارف القروض السكنيّة للمشترين الجدد. أمّا المبادرة الجديدة، فستسمح الآن للمقترض بالتخلّي عن الشقّة والقرض معاً، لصالح مقترض آخر قادر على استكمال الدفع، من دون اضطرار المصرف إلى تكبّد أي مشقّات وتكاليف قانونيّة من أجل الحجز على شقّة المقترض المتعثّر.

إعادة توزيع "الكوتا"
من المعروف أنّ مصرف لبنان يقوم بتوزيع قيمة دعمه الممنوح للقروض السكنيّة وفقاً لكوتا أو حصّة محددة لكل مصرف، وذلك وفقاً لحجم المصرف. وبينما قامت بعض المصارف مؤخراً باستعمال هذه الأرصدة بشكل تام، تمنّع كثير من المصارف عن منح هذه القروض، لعدم موافقتها على الشروط الجديدة المعتمدة لقروض المؤسسة العامّة للإسكان. أمّا الجديد وفق تفاهم لحود وسلامة، فهو الاتفاق على إجراء إحصاء للأرصدة أو السقوف غير المستعملة، في المصارف التي لم تتابع منح قروض المؤسسة العامّة للإسكان وفق الشروط الجديدة. وفي ضوء ذلك، سيتم العمل على نقل هذه السقوف إلى مصارف أخرى ترغب في متابعة منح القروض السكنيّة وفق الشروط الجديدة.

وبذلك، ستسمح هذه المبادرة بتوفير المزيد من القروض السكنيّة للراغبين بشراء مسكن، وذلك باستعمال السقوف غير المستعملة حاليّاً، ومن دون إجراء أي زيادة في قيمة الدعم الإجمالي الذي يخصصه مصرف لبنان للقروض السكنيّة في المصارف اللبنانيّة.

معالجات واقعيّة ومحدودة
إذاً ستسمح هذه المعالجات بحل مشكلة جزء محدود من الطلب في الأسواق، ولفترة قصيرة ومحدّدة، من دون أن تعالج أصل المشكلة الذي أدّى إلى إمتناع المصارف عن منح القروض السكنيّة. فالمصارف اليوم لا تملك المصلحة في متابعة منح هذه القروض، في ظل الفوائد المرتفعة في الأسواق سواء من ناحية الودائع أو القروض، بالإضافة إلى كون هندسات مصرف لبنان تسحب كل سيولتها بالدولار والليرة اللبنانيّة معاً، وبعوائد مغرية جداً. أمّا الجمود القاسي في السوق العقاري، فما زال يدفع المصارف إلى العمل لتخفيض حجم القروض الممنوحة والمرتبطة بمخاطر السوق العقاري، وهو ما يشكّل أحد أسباب برودة المصارف في التعاطي مع هذا الملف.

ومن جهة مصرف لبنان، ورغم تحديده لسقف محدود من الدعم للقروض السكنيّة، فما زال لا يرغب بإطلاق مبادرات من شأنها إطلاق العنان لمنح القروض السكنيّة بمستويات ما قبل الأزمة الحاليّة. فالقروض السكنيّة بالليرة من شأنها ضخ كميات من السيولة بالعملة المحليّة في الأسواق، وهو ما يناقض الجهود التي يقوم بها لإمتصاص هذه السيولة كي لا تتحوّل إلى طلب على الدولار.

لذلك، تسير جهود المؤسسة العامّة للإسكان في طريق إيجاد حلول مؤقّتة وواقعيّة، تسمح بتوفير حلول لجزء من الراغبين بتملّك المساكن، من دون الاضطرار إلى زيادة الدعم المخصص لقروض الإسكان، وهو ما أفضى إلى المبادرات التي انتجتها اجتماعات لحود الأخيرة. وبموازاة ذلك، مازال لحود يعمل على الضغط على جمعيّة المصارف، لدفع المصارف لاستعمال كوتا القروض السكنيّة المدعومة والمخصصة لها من مصرف لبنان، وهو ما ظهر جيّداً في الاجتماع الأخير بين لحّود ورئيس جمعيّة المصارف سليم صفير.

وفي النتيجة، ستظل أزمة القروض السكنيّة قائمة طالما أنّ جذورها موجودة في تداعيات الأزمة الماليّة القائمة اليوم. وبما أنّ جميع المؤشرات تنبىء باستمرار هذه الأزمة خلال الفترة المقبلة، فالسؤال البديهي يبقى عن خطط الحكومة للتعاطي مع هذه المشكلة التي تأخذ أبعاداً اجتماعيّة قبل الأبعاد الاقتصاديّة، خصوصاً أن هناك بدائل تسمح بإيجاد سياسة إسكانيّة شاملة لا تمر بالضرورة بأساليب دعم القروض المصرفيّة.


عودة الى الصفحة الرئيسية