إختر من الأقسام
مقالات وتحقيقات
شهد محمد علي على وفاة شقيقيه... وكاد أن يلقى المصير نفسه!
شهد محمد علي على وفاة شقيقيه... وكاد أن يلقى المصير نفسه!
المصدر : ليلى جرجس - النهار
تاريخ النشر : الجمعة ١٩ حزيران ٢٠١٨
استمعتُ الى قصص كثيرة لكن قصة محمد تجعلك تقف مذهولاً أمام هول المأساة التي أصابت عائلته، كأنك تشاهد فيلماً غريباً يصعب تصديقه. تتوالى الأحداث والصدمات من دون أن تتمكن حتى من التقاط أنفاسك واستيعاب ما جرى، فقد شهد محمد علي على وفاة شقيقيه في غضون سنة ونصف سنة، وكاد ان يلقى المصير نفسه لولا المصادفة التي أنقذت حياته من الموت الفجائي. تختلف الوجوه والأسماء لكن المأساة واحدة الوفاة المفاجئة، جميعهم لم يشكوا من أعراض تحذيرية سابقة، كان العارض الاول هو الأخير والصدمة تعتري جميع من عرفهم.

عندما تستمتع الى قصة محمد علي (36 عاماً) تدرك فعلاً اننا بحاجة الى التوعية ورفع الصوت عالياً للحدّ من هذه المأساة التي تخطف ارواح الشباب. يسترجع محمد ذكرياته، ليس سهلاً عليه ان يُعيد تركيب هذه الصورة التي تهشمت أمام عينيه، توفي شقيقاه فجأة دون ان يتمكن أحد من فعل شيء. يقول: "بدأ كل شيء في العام 2002 عندما أغمي على شقيقي حسين امام السوبرماركت، كان يبلغ من العمر 19 عاماً. نُقل الى المستشفى وأجريت له الفحوص وكشفت ان لديه دقات قلب سريعة. وانتهى الموضوع هنا، اذ لم يكن هناك داعٍ للقلق وفق ما أكد لنا الأطباء. بعد 4 سنوات، تعرض شقيقي حسن الى حالة تسمم استوجبت نقله الى المستشفى ليتبين من خلال الفحوص الطبية انه يعاني أيضاً دقات قلب سريعة".

وفاة مفاجئة لابن 23 عاماً

وفق محمد "لم يكن شقيقاي وحدهما اللذان يعانيان دقات قلب سريعة، لقد تبين ايضاً اني اعاني منها بعد ان خضعت لفحص طبي قبل دخولي الى الخدمة العسكرية الاجبارية في العام 1999".

في العام 2006، سافر محمد وحسين الى الغابون للعمل، كانا ينبضان حيوية ونشاط، لم تعق حالة دقات القلب السريعة حياتهما. كانا يعملان بجهد واندفاع الى ان تلقيا اتصالاً في 7/5/2014 غيّر حياتهما الى الأبد. يصف محمد تلك اللحظات قائلا "توفي شقيقي حسن، ابن 23 عاماً، وقع أرضاً نتيجة توقف قلبه. وقع الخبر علينا كالصاعقة، كيف لشاب قوي البنية ولا يعاني مشاكل صحية ان يموت بهذه البساطة ودون اي عارض. لم تمر السنة على تلك الحادثة المأسوية حتى تلقيت صفعة أخرى، موجعة بالقدر نفسه، توفي شقيقي حسين بالسبب نفسه، توقف القلب المفاجىء. لم أكن قادراً على استيعاب هذه الخسارة المزدوجة، خسرتهما في غضون سنة ونصف سنة تقريباً".

ملقى على السرير

كان محمد وحسين معاً قبل دقائق من وفاته، كانا يستعدان للقيام برحلة صيد، سبقه محمد الى السيارة لكن حسين لم يأتِ، وبعد ان ذهب لتفقده في المنزل، وجده ممداً على السرير. توفي بلحظة، هكذا خطفه الموت من عائلته.

بعد هاتين الفاجعتين، عاشت العائلة ذعراً رهيباً، ليس سهلا عليها ان تدفن ولدَيها للسبب نفسه، وبدأت الضغوط والمناشدات لإجراء الفحوص الطبية لمعرفة مسببات الوفاة. يشرح محمد تفاصيل قصته وما جرى معه "توجهتُ مع أهلي وشقيقي عباس الى المستشفى وأجرينا كل الفحوص والصور. ولكن بعد مرور 4 أشهر على وفاة شقيقي الثاني، شعرتُ بدقات قلب سريعة ودوخة، هذا العارض دفع احد أقاربي الى اخذ موعد من جمعية "قلب ريمي ربيز" (Remy Rebeiz Young Heart Foundation). هناك تعرفت الى تلك العائلة الرائعة وشعرتُ اننا عائلة واحدة لأن وجعنا واحد وخسارتنا واحدة.

أجرى محمد فحص EKG ليتبين وجود مشكلة وراثية متعلقة بخلل في كهرباء القلب المسؤول عن الموت المفاجىء. ونتيجة هذه الفحوص تمّ تحويلي الى طبيب متخصص في كهرباء القلب في الجامعة الأميركية الدكتور برنارد ابي صالح. يستطرد محمد قائلاً "لو علمنا بهذا الفحص وبهذا الخلل لكنا أنقذنا شقيقيّ من الموت، لو كان هناك التوعية الكافية والمتخصصين لكان حسن وحسين معنا يعيشان حياة طبيعية".

أجرى محمد جراحة قضت بزراعة بطارية للقلب، تعتبر اجراءا احترازياً لمنع توقف القلب المفاجىء. لم تستغرق الجراحة أكثر من نصف ساعة لكنها أنقذت محمد من الموت. برأيه "الحمدلله صرلي سنة ونصف سنة عامل العملية وما حسيت بشي".

خلل في كهرباء القلب

قصص كثيرة كتبنا عنها سببها الوفاة المفاجئة عند الشباب، فكيف يُفسّر الطب هذه الحالة؟

أكد الاختصاصي في كهرباء القلب في الجامعة الأميركية في بيروت برنارد ابي صالح في حديث سابق لـ "النهار" أن "معظم الشباب بسن صغيرة يعانون مشكلة السكتة القلبية الناتجة من خلل في كهرباء القلب. وهذا ما دفعنا الى العمل مع جمعية Remy Foundation young heart والقيام بحملات توعوية في المدارس والجامعات ويُعيد الناس الموضوع الى تعرض صغار السن الى ذبحة قلبية في حين ان الموت المفاجىء طبياً ناتج من سكتة قلبية". ويضيف ان "مشكلة كهرباء القلب أخطر من انسداد الشرايين في القلب، لأنه غالبا ما يكون العارض الاول هو الأخير ويسبب الوفاة، وقليلة هي الحالات التي تنجو منها".

جهاز طبي قادر على إنقاذ كثيرين

وأشار الدكتور أبي صالح الى انه "يمكن تشخيص مشكلة كهرباء القلب من خلال إجراء تخطيط قلب يقرأها اختصاصي في كهرباء القلب. لذلك ننصح الشباب بإجراء هذا التخطيط الذي يكشف من هم المعرضون لمشاكل في كهرباء القلب لا سيما الذين يمارسون رياضة قوية ويتوفون فجائياً".

ورأى ان "الأعراض لا تظهر دائماً على الأشخاص، فأحيانا تتبدى بعض المؤشرات التحذيرية وأحياناً أخرى لا تكون مصحوبة بأي عارض. لكن اذا كان الشخص يعاني رجفة قلب قوية، غيبوبة او حالة اغماء وتعباً قوياً عند اي مجهود يتوجب عليه استشارة الطبيب للتأكد من صحة قلبه". واعتبر ان "التخطيط يكشف مشكلة الخلل في كهرباء القلب والتي يمكن الوقاية منها من خلال اخذ الاحتياطات والوقاية واهمها:

* تفادي الجهد

* ممارسة الرياضة لبعض الأشخاص

* بعض الأدوية التي يُمنع تناولها

* الحرارة العالية عند بعض الأشخاص.

وهناك حالات تستوجب علاجاً بالأدوية بالإضافة الى الاحتياطات بحسب نتيجة التخطيط.

مع العلم ان السكتة القلبية ناتجة من خلل في كهرباء القلب المرتبطة بعامل وراثي (مشكلة في خلايا القلب - سماكة او شريط كهرباء زائد...) بالإضافة الى مشاكل صحية أخرى كالتهابات وضعف في عضلة القلب وغيرها.

وتابع الاختصاصي في كهرباء القلب حديثه بالتشديد على أهمية "علاج السكتة القلبية المفاجئة الذي يتمثل بتوفير صدمة سريعة للقلب تُعرف باسم الصدمات الكهربائية. ويساعد جهاز خارجي آلي لصدمات القلب الكهربائية (AED) لإنقاذ الشخص. من هنا نناشد بأهمية تأمين هذا الجهاز في المدارس والجامعات بالتنسيق مع وزارة التربية للتصرف سريعاً في حال حدوث اي حالة صحية مفاجئة والتوعية حول أهمية السكتة القلبية وكيفية الوقاية منها عند صغار السن. ولقد نجحنا في الجامعة الأميركية من إنقاذ حياة 4 شباب بفضل هذا الجهاز".

عرض الصور

    share on whatsapp