إختر من الأقسام
فلسطين المحتلة
'أحلام' غزة.. فتاة تصارع السرطان بتقشير الفستق
'أحلام' غزة.. فتاة تصارع السرطان بتقشير الفستق
المصدر : الجزيرة
تاريخ النشر : السبت ١٦ كانون ثاني ٢٠١٩
في مشهد بدت واضحة عليه ملامح الشقاء داخل جدران منزلها المتهالك، تجلس الفتاة أحلام أبو موسى (19 عاما) بجسدها المتعب بجانب والدتها حول طاولة خشبية ممتلئة بحبات الفستق لتقشيرها، ليس من أجل التسلية بل كمصدر رزق للعائلة، ويوفر لها ثمن علاج السرطان الذي ينهش جسد أحلام.

تسكن أحلام برفقة عائلتها في مخيم الشابورة بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، ووجدت هي وأمها وشقيقتها هديل الوسطى -بعدما تزوجت شقيقتهن رشا الكبرى وذهبت لمصر- في مهنة تقشير الفستق ضالتهن، فوالدهن عاطل عن العمل منذ أكثر من 18 عاما، بعدما توقف خروج العمال الفلسطينيين للعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948.

سرطان قدم أحلام
في بداية مارس/آذار من العام الماضي اكتشف الأطباء وجود ورم سرطاني في قدم أحلام اليسرى، كانت حينها تعمل في صنع الحلويات والمعجنات في أحد المراكز المهنية بغزة، مقابل مبلغ زهيد تحصل عليه نهاية كل شهر، لكنها توقفت عن عملها نتيجة إصابتها بالمرض، وأصبحت جليسة في منزلها، ورفضت أن تشكل عبئا على أسرتها واختارت عدم الاستسلام ممتهنة تقشير الفستق لتتحدى السرطان من أجل بقائها.

سيدة الفستق تتحدى
تقول والدتها وحيدة موسى (52 عاما) الملقبة بسيدة الفستق "منذ أن توقف زوجي عن العمل حملت على عاتقي إعالة بناتي الثلاث، وكثيرا ما كنت أبحث عن وسيلة عمل أوفر من خلالها رزق عائلتي حتى وجدت أخيرا في مهنة تقشير الفستق فرصة لي أعمل بها منذ ثلاث سنوات، وبعد أن تزوجت ابنتي الكبرى رشا، باتت تساعدني أحلام الصغيرة وشقيقتها الوسطى هديل".

تعمل الخمسينية وابنتيها في هذه المهنة التي فرضها عليهم ضنك الحياة قرابة ثماني ساعات يوميا، فيجمعن أكياس الفستق التي تزن 25 كيلوغراما ويفرغنها ثم يشرعن في تقشيرها ونفث الغبار عنها، وصولا إلى تقطيعها لجزئيات صغيرة حسب الطلب، وأحيانا محاولة إصلاح التالف منها باستخدام المشرط، ثم تعبئتها مرة أخرى مقشرة بالأكياس الخاصة فيها خلال أسبوع، مقابل الحصول على مبلغ زهيد يصل إلى 15 دولارا، لتنجو من الفقر.

فقر وسرطان وتعب
وتضيف الخمسينية بينما كانت منهمكة بتعبئة أحد أكياس الفستق التي أصبحت جاهزة لبيعها لأحد التجار "بعدما أصيبت أحلام بالمرض زاد همّي أكثر، وبدأنا بمضاعفة العمل لتأمين ثمن العلاج لها، ومنذ إصابتها لم أذق للحياة طعم، فاجتمع الفقر والسرطان على كاهلها، وابنتي صغيرة ومدللة المنزل، ولا تمر علينا دقيقة دون التفكير بوضعها الصحي، خاصة أنها بحاجة ماسة لتوفير العلاج بشكل دائم، وانقطاعه عنها ولو لأيام قليلة يعرض صحتها للخطر الشديد".

قد يبدو تقشير الفستق -بالنسبة للبعض- أقل تعبا، لكنه بالنسبة لحال أحلام أكثر شقاء، فهي تقضي معظم وقتها جالسة للعمل مما يزيد حدة الألم خاصة في قدمها المصابة بالورم، فلا تستطيع النهوض دون مساعدة العكازين، فهي لا تستطيع أن تتحرك خطوة واحدة دونهما.

وأحيانا تضطر للمشي زاحفة عند استفحال الوجع بقدمها. وتحتاج أحلام لعقاقير طبية شهريا بقيمة 100 دولار، لكن قدرتها المالية تجبرها على شراء جزء منها فقط، وتبقى لأيام تصارع الألم وحدها معتمدة على جزء من المسكنات.

إسرائيل ترفض تصريحها
إضافة إلى أنها بحاجة فورية لإجراء عملية جراحية لاستئصال الورم من قدمها، وكانت قد حصلت على تحويلة طبيّة للعلاج بالخارج في مستشفى المقاصد بالقدس دون أي تكاليف مادية، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي رفض إعطاءها تصريح سفر للعلاج، وهذا ما يفاقم وضعها الصحي ليجعله أكثر خطورة.

أزمة حادة ومعاناة مضاعفة يعيشها مرضى السرطان في قطاع غزة تجعل حياتهم على المحك، في ظل توقف تقديم العلاج الكيميائي بين الفينة والأخرى، نفاد كميات كبيرة من الأدوية، حرمانهم من السفر للعلاج بالخارج والفقر الذي يعيشه معظم المصابين بهذا الخبيث.

وتفرض إسرائيل حصارها على قطاع غزة المغلق عن العالم، مما جعل سكان القطاع يعيشون في صراع بين الحياة والموت، وتجاوزت فيه معدلات البطالة 55%، وبلغ عدد العاطلين عن العمل حوالي 230 ألف شخص، وارتفعت نسبة الفقر المدقع لتتجاوز 65%. في حين بلغ عدد الأشخاص الذين يتلقون مساعدات إغاثية من "أونروا" والمؤسسات الإغاثية الدولية والعربية أكثر من مليون شخص بنسبة تصل إلى 60% من سكان قطاع غزة.

وتأمل أحلام أن يكون لها نصيب من اسمها، ويتحقق حلمها في إجراء العملية اللازمة لها، لعلها تتمكن من العودة للمشي على قدميها.

عرض الصور

    share on whatsapp