إختر من الأقسام
متفرقات | لبنان
قصّة مؤثرة بين لبنان وأميركا: أميركية تستعيد طفلها من الأب المختبئ في بيروت!
قصّة مؤثرة بين لبنان وأميركا: أميركية تستعيد طفلها من الأب المختبئ في بيروت!
المصدر : عماد الشدياق | المدن
تاريخ النشر : الخميس ٢٢ تموز ٢٠١٩

يمثل، في الأيام القليلة المقبلة، الأميركي من أصول لبنانية علي سلامة أمام القضاء الأميركي للمرة الأولى، في ولاية جورجيا، بتهمة غير مفهومة، ظاهرها تهمة خطفه لابنه داكستر سلامة، وتهريبه إلى لبنان بغير وجه حق.

قبل نحو سنة حضر علي إلى لبنان برفقة ابنه وسكن بمكان مجهول، بعد أن تمكن من الحصول للطفل على جواز سفر لبناني من قنصلية بلاده في ديترويت. ومذاك كانت الأم الأميركية راشيل سميث تحاول استعادة داكستر بالطرق القانونية والدبلوماسية. فنجحت الشهر الفائت بذلك، بعد أن ألقى فرع المعلومات - حسبما يقول الأهل - القبض على الوالد وانتزع الطفل منه، بموجب صيغة تنفيذية صادرة من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في النبطية أسعد جدعون (مرفق صورة عنه)، نفاذاً لحكم أميركي من محكمة فلوريدا، وجرى تسليم الوالد والطفل للسفارة الأميركية في بيروت، التي رحّلتهما بأقل من 48 ساعة، وذلك في سابقة يقال لم تشهدها المحاكم اللبنانية من قبل!

الإقامة السرية في الأشرفية
"المدن" تمكنت من التواصل مع والدة علي (وفاء سلامة) المقيمة في استراليا، والتي تتحضر للعودة إلى الولايات المتحدة، بغية متابعة ملف توقيف ابنها. لم تخفِ وفاء استياءها من السلطات اللبنانية التي تتهمها بتسليم الرعايا اللبنانيين لسلطات أجنبية "من دون وجه حق". وأكدت أن ابنها "لم يحرم راشيل من التحدث مع داكستر أبداً. وكان دوما يعرض عليها المجيء إلى لبنان لرؤيته، ويسمح لهما بالتحدث دوماً من خلال الكاميرا". تقول الأم أن "علي قرر العودة إلى لبنان برفقة الطفل لأن القضاء الأميركي منحاز إلى الأم، وأن السفارة اللبنانية في الولايات المتحدة، بشخص السفير غبريال عيسى، لم تساعد ابنها وحفيدها وإنما على العكس". كما تتهم الأم السلطات الأمنية والقضائية اللبنانية بـ"التحايل على القانون"، فتروي كيف كانت القوى الأمنية تبحث عن علي وابنه في كل لبنان. قصدوا بيت طليقها (والد علي) أكثر من مرة في خلدة بحثا عنه، وكذلك فعل مخفر تبنين الذي أرسل عناصر إلى قرية برعشيت الجنوبية، حيث مسقط رأس العائلة، بحثا عنهما، من دون أن يخبروا أحداً عن السبب المباشر للبحث، ولا حتى تبليغه بمضمون استدعاء أو دعوى.

تنقل الأم عن شهود عيان كيف حضرت سيارة أمنية مدنية تُخفي بعضاً من أرقام لوحتها، على حد قولها، إلى منطقة الأشرفية حيث كان يسكن علي وابنه سراً، وعلى متنها أربعة عناصر اقتادوه إلى التحقيق، ثم عادوا إلى البيت بعد ساعات، وجلبوا أغراضه الشخصية قبيل تسليمه للسفارة. تقول أن قريبة لها قصدت شعبة المعلومات وسألت عن علي الذي بقي أكثر من ثلاثة أيام مجهول الإقامة، فقالوا لها أنه موقوف بمقر المديرية في الأشرفية، وهو يخضع للتحقيق، وقد يخرج بغضون أيام. ثم أخبروها خلال مراجعة أخرى بعد فترة وجيزة، أنه لم يعد هناك، من دون الإفصاح عن التفاصيل أو الجهة التي تسلمته، إلى أن ظهر بعد نحو يومين في الولايات المتحدة.

تختم الوالدة حديثها بألم وحسرة، فتقول: "كنت أنوي ترك استراليا والولايات المتحدة لأستقر في لبنان للعيش برفقة ابني علي وحفيدي، لكن السلطات اللبنانية حرمتني هذا الحق. قريبا سأعقد مؤتمراً صحافياً في أميركا لأمزّق جواز سفري اللبناني مباشرة على الهواء. ما عدت أرغب بحمل هذا الجواز".

الهروب من القضاء الأميركي
هذا الحديث يعكس وجهة نظر الأم الغاضبة من زجّ ابنها في السجن، إلا أن الجانب الآخر من القصة يحمل تفاصيل مختلفة. مصدر مضطلع على تفاصيل القضية أخبر "المدن" أن علي كان متعلّقا بابنه كثيراً، وكان يخاف خسارته، خصوصاً أن المحكمة الأميركية حكمت له سابقا بالحضانة بنسبة 50 بالمئة، فيما كان يطمح بنسبة أعلى من ذلك، مستنداً على الملف النفساني للأم، التي عاشت ضمن عائلة معنِّفة. وهذا ربما يرفع من احتمال تعنيفها لابنها مستقبلاً. كان علي يطمح بهذه الذريعة إلى كسب القضية، لكنه فقد الأمل بعد مماطلة المحاكمة والأعباء المالية الكثيرة، خصوصاً أنه كان بلا عمل وتساعده والدته وخالته المقتدرة في استراليا. المصدر يقول أن علي تسرّع بقرار اللجوء إلى لبنان، حتى والده المقيم في الولايات المتحدة أقر بهذه الحقيقة في حديث مقتضب مع "المدن". فعلي لا يعرف أحداً في لبنان ولا حتى يتكلم العربية جيداً، هاجسه الوحيد كان بقاء الطفل إلى جانبه. كان أثناء إقامته في بيروت، التي دامت نحو سنة، يتواصل مع السفارة الأميركية الحريصة جداً على تقصّي أخبار الطفل دورياً. وقد عرضت عليه أكثر من مرة، حسب المصدر، العودة إلى أميركا بموجب تسوية قضائية Settlement agreement، لكنه كان يرفض دوماً. ويبدو أنه شعر في الفترة الأخيرة، قبل اعتقاله، أن ثمة أمراً تحيكه راشيل، عشيقته السابقة ووالدة الطفل، فقاطع السفارة، ولم يعد أحد قادراً على التواصل معه.

الأم راشيل ورحلة البحث
أما الوالدة، راشيل سميث، فلم تستسلم لحرمانها من ابنها. طرقت أبواب شيوخ ولاية فلوريدا ووصلت إلى القصر الجمهوري في لبنان. بحثت في صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت عن جهة لبنانية قادرة على مساعدتها، فعثرت على مقالة باللغة الانكليزية للناشطة في حقوق المرأة مريم لحام، بحثت عن صفحتها على "فايسبوك" وتواصلت معها، فتمكنت مريم من مساعدتها برصد صورة للطفل على حساب الوالد بـ"فايسبوك"، في أحد شوارع الأشرفية، وزودتها برقم هاتف محام لبناني مختص بهكذا ملفات... ومن هنا انطلقت مهمة البحث.

تقول مريم أن راشيل حضرت إلى لبنان أكثر من مرة، وكانت تفترش منذ الصباح الشارع الذي تعرّفتا إليه بواسطة الصورة، تنتظر مرور ابنها، لكنها لم تُوفق أبداً. تؤكد مريم أن راشيل تواصلت مع أكثر من جهة، ضمنها ابنة رئيس الجمهورية السيدة كلودين عون، التي تُعنى بشؤون المرأة اللبنانية، فأبدت تعاطفاً كبيراً معها، ولاحقا كذلك فعلت السفارة اللبنانية في الولايات المتحدة. وهذا يظهر من الصور على صفحة الوالدة في "فايسبوك"!

محكمة النبطية
محامي راشيل سميث، محمد الأيوبي، ينفي بحديث لـ"المدن" التهم التي تُساق بحق القضاء اللبناني والأجهزة الأمنية من تآمر واعتقال للوالد علي سلامة، مذكراً بقضية مماثلة لثلاثة أولاد من الشمال من آل مطر، تمكنت السفارة من استردادهم إلى الولايات المتحدة بعد داكستر بيومين، من دون أن تتعرض للوالد "الخاطف" الذي بقي في لبنان. يؤكد الأيوبي أن علي سلامة اختار، في ما يبدو، العودة برفقة ابنه إلى الولايات المتحدة، عملاً بالتسوية التي عُرضت عليه فيما سبق، وذلك بعد أن وصلت القوى الأمنية إليه (هذا التفصيل تجهله العائلة في الولايات المتحدة واستراليا ولا تعرف كيف عاد إلى جورجيا)، كاشفاً أن السلطات القضائية والأمنية لم تقم إلا بواجباتها، وفقاً للقوانين مرعية الإجراء، تحديداً قانون أصول المحاكمات المدنية، الذي يلحظ تنفيذ الأحكام والسندات الأجنبية (المواد 1009 إلى 1022)، واستندت إليه محكمة الاستئناف في النبطية، لإصدار الصيغة التنفيذية للحكم الأميركي، مع العلم أن لبنان غير موقع على اتفاقية تسليم مطلوبين مع الولايات المتحدة ولا على "اتفاقية لاهاي الخاصة بالجوانب المدنية للاختطاف الدولي للطفل 1980".

يقول الأيوبي أن علي سلامة خسر الدعوى التي سبق أن أقامها بنفسه قبل العودة إلى لبنان، بعد أن حصل على جواز سفر لطفله بموجب أوراق مزورة. فالوالد يستحيل عليه استصدار جواز سفر لابنه من القنصلية اللبنانية في الولايات المتحدة بلا توفر شرطين: موافقة الوالدة، أو قرار بحضانة كاملة عليه (بعض المصادر تقول أن المحكمة منعت الوالدين من استصدار جواز سفر للطفل بموجب حكم).

قصة جواز السفر
"المدن" تمكنت من الحصول على مستند ربما يعيد القضية إلى مربعها الأول، فعلي سلامة حصل على جواز السفر لابنه بطريقة صحيحة ترعاها قوانين الاحوال الشخصية اللبنانية، وبما أن الطفل "غير شرعي"، فاسم الأم غير موجود ببياناته الشخصية، ولا حاجة لموافقتها أصلاً. وهذا مذكور بتقرير صادر عن المديرية العامة للأمن العام، ممهور بتوقيع اللواء عباس ابراهيم، وموجه إلى وزارة الخارجية اللبنانية (مرفق صورة عنه)، ما يعني بالتالي أن لا تزوير بإصدار جواز السفر أو خرق لأصول إصدار جواز سفر لطفل على الأراضي الأميركية، وإنما هو تضارب بين القوانين الأميركية وتلك اللبنانية في يتعلق بطفل مولود من علاقة خارج الزواج. وهذا يفتح هامشاً واسعاً للسؤال عما اعتمدته محكمة الاستئناف لاصدار الصيغة التنفيذية، وعلى ماذا استندت للتأكد من أن راشيل هي فعلا والدة داكستر، طالما أن اسمها غير وارد ببياناته الشخصية. وهل منحت علي سلامة مهلة الشهر بعد التبليغ للاعتراض على الصيغة التنفيذية (المادة 1013 من أصول المحاكمات المدنية)؟ طبعاً من دون الحديث عن السرعة غير المعهودة والقياسية في تنفيذ الحكم في غضون ثلاثة شهور!

سؤال سياسي
هذا الكلام ليس للاعتراض على إعادة الطفل لأمه، أبداً. لكن لمعرفة المعايير التي اعتمدها القضاء اللبناني للبت بهكذا ملف، والتأكد من تلك التي يعتمدها في إعادة الرعايا الأجانب. فهل ثمة ضغوط سياسية أميركية مورست على السلطات القضائية والأمنية اللبنانية، فخضعت للإملاءات الأميركية دفعاً لأزمة إضافية مع واشنطن؟ المحامي الأيوبي آثر عدم نفي فكرة التدخل السياسي ولا حتى أكدها، وربما جوابه جاء بمعرض التأكيد الضمني، خصوصا أن أكثر من جهة أكدت صحة الحديث عن ضغوط السياسية مارستها شخصيات أميركية على السفارة اللبنانية هناك. وربما الإجراء اللبناني المربَك جاء في صالح علي سلامة: سجن واشنطن ولا حرية بيروت!

عرض الصور

  share on whatsapp