يوسف شلهوب قلمه نجاه...


يوسف شلهوب قلمه نجاه

يفتقر الزجل اللبناني إلى دراسات تاريخية وإحصائية ونقدية، فهو ظاهرة تراثية ذات أبعاد أدبية، منها ما هو فولكلوري على مستوى الغناء، ومنها ما هو ذو طابع جمالي وفكري.

جدير بالذكر أن الزجّالين الذين غنّوا قوافيهم على المنابر، منضمّين إلى جوقات، هم الأكثر شهرة وشعبية، لأنهم حظوا باهتمام الإعلان والإعلام إضافة إلى أنهم صاروا عشاق الزجل من كل حدب وصوب. أما الزجّالون الذين لم تساعدهم الظروف في ركوب قطار المنابر، أو هم لم يشاؤوا، فقد باتوا عرضة للنسيان والتجاهل باستثناء قلة منهم لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.
يوسف شلهوب كبير من كبار الزجل البناني. الرياح التي حملت صوته إلى المنابر الزجلية المخصصَة لمنازلات تقليدية معروفة، عادت وطوت أشرعته ليتحول زجّال قلم، وزجّالو الأقلام يصيرون، في معظمهم، مع مرور الوقت، خارج بورصة الأسماء المتداولة إعلاميا وشعبيا. في حوار مع مجلة "صوت الشاعر" أعلن شلهوب أن ما أخرجه من فردوس خليل روكز، الإسم الأشهر والأكبر بين الزجالين، هو رفضه أن يبقى في جوقته تحت شرط طباعة الإعلانات على نفقته: "فالذي يطبع الإعلانات على نفقته يكون مكملاً، وأنا لست ممن يرتضون هذا النهج". وبعد تجربة شلهوب المرة مع روكز غنّى في أكثر من جوقة غير أنه شعَر بأن الحصة المخصصة للمنبر منه قد انتهت، فطلّق قدّ المراجل قبالة الخسة وكأس العرق، والتحق بحزب القلم مسرورا: "كان مشوار مع القلم والكلمة أغزر جنى وألصق بالشعر الذي أنا له من يومي الأول".
تشظى يوسف شلهوب شعريا في معظم المجلات الزجلية وفي دواوينه: "سراج الليل"، "مسبحة الدرويش"، "طريق الميرون"، "رماد"، وملحمة الإغتراب اللبناني"، "صرخة الجنوب"، و"الضرير"، وله في ذمة الورق قصائد كثيرة "باغته" الموت قبل أن يتمكن من مَدّها تحت دواليب المطبعة. لم يكن حدس شلهوب كاذبا عندما أومأ إليه أنْ عند أصابعك ما ليس عند صوتك، فنجح في جعل الجملة الزجلية رحبة الصدر، تستقبل من المعاني ما هو جديد وغريب عن الزجل، ومن الصور ما هو موشوم بخيال شعري لم تضغط على قفصه الصدري وحدة الوزن والقافية. فها هو أمام مولد المسيح المقمّط بالقش والزمهرير يستحضر زنبقة مثقلة الروح بشهوة الأمومة: "وزنبقة تهدهد إلو، وترجع تقول/ يا ريت عندي ضلوع تَعمِلك سرير" (ديوان يوسف شلهوب، الجزء الأول، ص 50). من المغارة إلى طقس الجلجلة، حيث عنقود العنب يتبع المسيح قبل الناس، خائفا أن يكون خَلا له: "وخصلة عنب كانت على أما تصيح/ لا تعملوني خل كرمال المسيح" (ص 50)، شجر الزيتون ليس بعيدا عن أن يكون من تلاميذ ابن مريم، وزيتونتان تتبادلان الكلام بالنظر: "ومن خوفها، بالسر تحكي إختها/ قولك ع زِندي بيصلبو إبن السما؟" (ص 50).
قلم يوسف شلهوب صنارة خبيرة في مزاج المفردات. وإذا كان لم يتمكن من استبدال عباءة الزجل بقمصان الشعر الشفافة فقد استطاع أن يبذر في رحم القصيدة الزجلية ما هو غريب عنها وجديد عليها، وفي هذه الخطوة تأسيس، ولو غير واعٍٍٍ، وتهيئة، ولو غير مقصودة، للقصيدة العامية التي ستأخذ طريقها إلى ذاتها في الزمن الآتي.
هو شاعر المرارة الطريف، يحتجّ على أمومة الأرض ويتقن التمييز جيدا بينها وبين أمه، فواحدة تعلّق سلة الأيام بزنده وأخرى تأخذها عنوة: "مره قِلت للأرض يا إمي/ ردت من تراب الفنا إمي/ ومِنشان فرق بين إم وإم / صارِت ترِش تراب عا تِمي" (ص 242).
لا بد أن ينصف مؤرّخو الزجل ودارسوه الشاعر يوسف شلهوب وأن يطيلوا النظر في ما جناه قلمه، فحرام أن تذهب أوراقه مثلما ظنّ في وقت من أوقات ألمه الكبير: "دهب أصفر بمسبحة السواقي" (ص 85).(النهار)
 

عودة الى الصفحة الرئيسية