الصفحة الرئيسية / ثقافة / مقاهي قصر الحمراء قلب بيروت النابض بالمثقفين

مقاهي قصر الحمراء قلب بيروت النابض بالمثقفين
Sun 14 March 2010
أرسل الخبر


يرى المثقفون ان المقاهي هي رئة المدينة ومرآتها فمن خلالها يمكن مشاهدة أحوال الناس والاطلاع على افكارهم ونشاطهم فضلا عن انها تعكس حيوية المدينة ونمط الحياة فيها.

وتتميز المقاهي في لبنان عموما بانها اصبحت ملتقى المفكرين والسياسيين على السواء ومساحة التقاء الناس من مختلف المشارب والفئات والاهتمامات .

الا ان المقاهي بروادها المثقفين وغيرهم اخذت منذ العام 2003 تغيب عن شارع الحمراء في العاصمة بيروت وتتراجع امام زحف المحال التجارية مهددة رمزية الشارع الذي اختزن ذكريات بيروت ومعها لبنان.

وكان اقفال احد اشهر المقاهي في الحمراء تسبب حينها بـ"تظاهرة حضارية" نفذها رواده المثقفون وطلاب الجامعات وغيرهم مستنكرين الحال التي آلت اليها العاصمة الا ان اشتياق الشارع الى المقاهي وروادها الذين شكلوا جزءا من ذاكرته اعادها اليه فعادت له الحياة.

وتختصر منطقة الحمراء لبنان بتلاوينه وتعدد اوجهه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فهو الذي كان مزدحما بدور السينما والمكتبات ودور النشر ومحلات الموضة والازياء والمحاط بالجامعات وابرزها الجامعة الأميركية في بيروت واللبنانية الاميركية الحارستان للعلم.

ونشأت منذ خمسينيات القرن الماضي علاقة وطيدة بين المثقفين وشارع الحمراء وارتبطت اسماء معروفة في عالم الثقافة والادب بمقاهيه امثال انسي الحاج وادونيس ومحمد الماغوط وسواهم.

وعن العلاقة بين المثقفين والمقاهي قال الشاعر والاديب بول شاوول الذي يرتاد مقاهي الحمراء منذ 40 عاما ان المثقفين يشكلون 10 بالمئة من رواد المقاهي و15 الى 20 بالمئة من الرواد الثابتين فيها.

واضاف "المثقف منح المقهى نكهة ثقافية منذ اربعينات القرن الماضي وصار المقهى مكانا متميزا بالوجود الثقافي وكأنه جزء من الحداثة الثقافية لان تردد المثقفين اليه ترافق مع نمو بيروت وضواحيها الاقتصادي المرتبط بالطبقة الوسطى والنمو الثقافي والديمقراطي".

وقال ان المقهى يعتبر المكان الديمقراطي بامتياز ولهذا السبب "تغلق المقاهي في الحروب لأنها تسيس" موضحا انه مع اندلاع الحرب في لبنان قسمت المناطق وانعكس ذلك على المقاهي الا ان شارع الحمراء بمقاهيه ظل بعيدا عن هذه الانقسامات من خلال جمعه مختلف المشارب والانتماءات.

واعتبر شاوول ان هذه العلاقة بين المقهى والحداثة اعطت المثقف الذي هو صوت الحداثة هذه الهالة باعتباره في صدارة المقهى.

وعن تأثير المقهى في تحفيز مخيلة المثقفين قال شاوول الذي كان يجلس في احد مقاهي الحمراء والى جانبه جريدة وعدد من الكتب "ليس كل المثقفين الذين يرتادون المقهى يتكلمون بالثقافة وشؤونها فمنهم من يقصدها للقاء اصدقائه والتسامر معهم وهناك نوع اخر انا منهم يقصدونه للقراءة والكتابة وهي عادة فرنسية منذ زمن سارتر وهوغو".

وحول الفرق بين المقاهي القديمة والجديدة قال شاوول "لقد تغيرت مفاهيم المقاهي اليوم واصبحت مفاهيم استهلاكية لم تعد تتسع كثيرا للمثقفين بسبب طابعها الذي يركز بشكل كبير على تقديم الاطباق والوجبات والاجواء المرافقة لذلك والديكور".

وتابع "انه على الرغم من تغير طابع المقاهي فان هناك مثقفين لديهم امكنتهم وانا اعتبر ان المقهى بيتي الاول اذ ارتاده مرتين يوميا في اوقات لا تزدحم فيها الناس".

ولفت الى انه عندما يقصد اي بلد فان اول ما يبحث عنه هو المقهى ولديه في كل من مصر وتونس وفرنسا مقاه محددة يرتادها باستمرار قائلا ان "المقاهي رئة المدينة".

ورأى شاوول ان ما يميز المقاهي في شارع الحمراء عن سواها من المناطق اللبنانية انها لا تزال تمتلك لمسة ثقافية على الرغم من انتشار الطابع التجاري لافتا الى انه مع تكاثر المقاهي والمطاعم تنحسر المسارح والمكتبات.

من جانبه قال الشاعر والاعلامي زاهي وهبي "ان المقهى هو اكثر من مكان للتسلية وتمضية الوقت بل هو فسحة ابداعية للانتاج وما يميزها عن البيت والمكتب ان المثقف يشعر وكأنه متفرج على مجرى الحياة ولاعب فيها في الوقت نفسه".

واعتبر ان المقهى مكان للحوار مع الاخر وهو من اكثر الاماكن ديمقراطية في لبنان لانه "لا يتعطل بفعل المقايضات والتسويات السياسية وجلساته مفتوحة تجمع مختلف المستويات والطبقات والانتماءات".

وكشف وهبي الذي يرتاد مقاهي الحمراء منذ 25 عاما عن كتاب سيصدره قريبا يحمل عنوان "قهوة سادة في احوال المقهى البيروتي" وهو قراءة في احوال المدينة من خلال المقهى لانه امتداد للمدينة وتحولاتها.

وقال ان المقهى يشكل وجها من وجوه المدينة واحد الامكنة التي تعكس التحولات التي تطرأ على لبنان اذ بمجرد القيام بجولة عليها يمكن اكتشاف ما يحمله الجيل الجديد من افكار مختلفة ومتنوعة.

وعن تبدل طابع المقاهي وانتشار نمط حديث منها قال وهبي "المقاهي تشبه زمنها وكما لكل زمان دولة ورجال فلكل زمان مقاهيه وامكنته وهي تشبه كل مرحلة تمر بها البلاد" مشيرا الى التغير الذي طرأ على مفهوم المقهى في زمن العولمة فأصبح مذاق القهوة فيها مختلفا".

واضاف ان المقاهي في بيروت لها ميزة خاصة لان العولمة وان بلغتها غير انها وبسبب صغرها ما تزال تحافظ على نوع من الحميمية التي تتمتع بها الارياف الى حد ما.

اما تميز مقاهي الحمراء على وجه الخصوص فان وهبي يعيده الى تصديها لمهام ثقافية حيث نشهد فيها نقاشا لكتب شعرية وامسيات شعرية وامسيات موسيقية غير استهلاكية.

واعتبر ان شارع الحمراء هو الشريان الرئيسي لبيروت وهو يتميز بالتنوع الاجتماعي والطائفي ومعظم من يرتاده هم من الطبقة المتوسطة الذين يقصدون الجامعات سواء طلاب واساتذة فضلا عن وجود مؤسسات صحافية مثل (السفير) و(النهار) ومؤسسات كبرى مثل (مصرف لبنان) ومستشفى الجامعة الاميركية ما يجعل الروح المدنية عالية ويجعل من هذا التنوع مصدرا لخلق الحياة.

وشدد وهبي على ان التنوع المدني الذي تكتنزه منطقة الحمراء والارث التاريخي لها جعل مقاهيها تستعيد رونقها وتشهد الاقبال الكبير عليها بعد غياب لسنوات. (كونا)

ايوب خداج
ميدل ايست اونلاين