الصفحة الرئيسية / ثقافة / أسامة بن لادن .. حياته وأسراره

أسامة بن لادن .. حياته وأسراره
2011-05-02
أرسل الخبر


ولد أسامة بن محمد بن عوض بن لادن في العاشر من آذار عام 1957 لعائلة غنية في جدة، وترجح مصادر ان تكون ولادته في الرياض. وكان قد حدد تاريخ ميلاده على قناة "الجزيرة" عام 1998، كما حدد الكثير من الشروط واحكام علاقته بها بعد سنوات الذروة التي تلت ما سماها "غزوة نيويورك" لاحقاً والده محمد عواد بن لادن كان رجل اعمال غنيا وكان قريبا من العائلة المالكة السعودية.

هاجر بعد الحرب العالمية الثانية من حضرموت اليمنية الى ضفاف البحر الاحمر حيث مدينة جدة السعودية وفي مينائها بدأ الاب العمل قبل ان يطلق عمله الخاص عام 1930. وفي الخمسينات كان على موعد مع انفتاح غير متوقع حينما تولى عمليات البناء الخاصة بالعائلة المالكة في السعودية.

كان طول الوالد يتجاوز الـ 180 سنتيمترا وبعين واحدة، وقرر في أحد الايام ان الحياة أكبر من ان تعمل فيها حمالاً في حضرموت اليمنية، فجمع ملابسه الرثة في حقيبة وباع المكان الذي كان يعيش فيه ووضع أحماله على جمل وانتقل الى المملكة العربية السعودية التي كانت قد تأسست حديثا وقرر الاستقرار على بعد 1000 ميل من بيته السابق بحثا عن الثروة.

كانت وظيفة الوالد الأولى في السعودية العمل لدى شركة "أرامكو" وهي شركة نفط اميركية سعودية وكانت يوميته وقتها ريال سعودي واحد يوفر معظمه ويعيش حياة فقيرة من اجل جمع المال، قبل ان يدخل عالم الاستثمار ثم عالم التجارة. وسرعان ما تولى بناء قصور العائلة المالكة السعودية بعد أن كان يقدم عروضا بأسعار أقل كل ما كان يقدم من عطاءات في ذلك الوقت.

الفرصة الذهبية لمحمد بن لادن حانت حينما انسحب مقاول أجنبي من عطاء تمديد طريق سريع بين المدينة المنورة وجدة، حيث تولى محمد بن لادن المهمة، وبفضل هذا الطريق فتحت له مخازن المال وأصبح ظاهرة في السعودية.

يقول مهندس فرنسي عاصر والد بن لادن: "لم يكن يقرأ او يكتب وكان يوقع بعلامة X فقط على كل الاوراق التي كانت تتطلب توقيعه، ولكنه كان فائق الذكاء وبالفطرة". ويضيف المهندس الفرنسي ان محمد بن لادن لم ينس جذوره أبداً وكان غالباً مايترك بيته مع مال كثير يوزعه على الفقراء.

ولأنه كان وهّابياً صرفاً، قرر الوالد شراء طوافة هليكوبتر كي يصلي صلواته الرئيسية الظهر والعصر والمغرب او العشاء في المدن الاسلامية المقدسة الثلاث المدينة المنورة ومكة المكرمة والمسجد الأقصى في القدس في يوم واحد، وفي الوقت نفس كان يستخدمها لمتابعة اعماله المتواصلة في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وخصوصا في مشاريع الحج السنوية والتوسيعات التي رافقت تاريخ الحرم الشريف. وعن هذا الطريق نشر الوالد سمعته بين الحجاج ومن هناك الى جميع دول العالم.

تواصلت ثروة الأب في النمو، حتى ان العائلة السعودية في مرحلة من تاريخها كانت تقترض منه المال وفي الاوقات الصعبة خصوصا، وكان على موعد مع الموت عام 1968 في الهيلكوبتر التي استخدمها لملاحقة اوقات صلواته ما بين مكة المكرمة والمدينة المتورة والمسجد الاقصى.

كان الوالد في زيجاته قد قرر أن يبقي ثلاثاً على ذمته ويغير الرابعة "كما يغير الإنسان سيارته"، على ما يقول المهندس الفرنسي الذي صاحبه، وكان يستخدم الطوافة نفسها التي لقي حتفه بسبب سقوطها ليختار الطيار له زوجة من كل البلدان العربية والاسلامية، وكان بعض الزوجات لايتجاوز عمرهن الخامسة عشرة. وتتذكر زوجة الطيار مهمتها مع زوجها بالقول: "كن منقبات من قمة الرأس الى أخمص القدم، لكنهن كن على قدر عال من الجمال".

كان ظهور أسامة بن لادن العائلي الأخير في عرس ابنه في كانون الثاني من العام 2001، ولكن منذ هجمات أيلول اتصل مرة واحدة بأمه ونفى خلال الاتصال أن يكون قد ارتكب أو دبر أعمالاً إرهابية ضد السعودية، لكن تلك الأعمال تصاعدت على أرض الواقع.

ورغم ان عدد اخوة بن لادن غير محدد، تقول مصادر إن عدد أبناء محمد بن لادن وصل إلى 55 وأن الأب تزوج 22 مرة، وأن تسلسل أسامة من بين كل أبنائه كان السابع عشر وهو الابن الوحيد لزوجته العاشرة حميدة العطاس التي ولدت في سوريا عام 1934.

بعد فترة قصيرة من ولادته انفصل والداه وتزوجت امه من محمد العطاس الذي كان يعمل في شركة الوالد،محمد بن لادن، وولد لهما أربعة أولاد وعاش بن لادن مع أخوته الثلاثة وأخته الوحيدة من زواج والدته الجديد.

لكن مصادر أخرى لا تشير إلى هذا الانفصال، فقد كانت حميدة، والدة أسامة بن لادن، تبلغ من العمر 22 عاماً حينما تزوجها والد اسامة، وهي ابنة لتاجر سوري وكانت جميلة جداً وعلى معرفة ودراية تامة بكل ما يدور حولها في عالم الجمال والتجميل وكانت شانيل مصدر ملابسها الرئيسي ولكن لم يكن هذا ليشفع لها لتبقى على ذمة محمد بن لادن، وذلك لأنها كانت "أجنبية" وفق العرف السعودي، وكانت تعرف بين زوجات محمد بن لادن بالـ"الزوجة الجارية"!

وعندما توفي محمد بن لادن بسقوط طوافته كانت حميدة لا تزال زوجته وكان ابنها أسامة يعرف على أنه "ابن الزوجة الجارية"، وكان عمره في ذلك الوقت 11 عاما.
كان الوالد قد قرر جمع كل أطفاله تحت سقف بيت واحد وتعليمهم التعاليم السلفية وطالبهم بإظهار رجولتهم باكراً، وأن تكون تصرفاتهم نابعة من الثقة بالنفس، بينما كان الوالد يغير الشواطئ التي يقضي فيها أوقاته الحميمة مع زوجاته كل يوم.

بداية التأثير

درس بن لادن خلال الفترة من 1968 و1976 في مدرسة الذكر النموذجية والتي تأسست في الخمسينات، وقد أسسها الأمير فيصل بن عبد العزيز ودرّس فيها مدرسون اجانب مثل برايان فايفيلد شايلر وسيموس أو براين اللذان استذكرا في مقابلة مع صحيفة "نيويوركر" الأميركية انهم درسوا بن لادن خلال تلك الفترة، وكانت تعرف في مجتمع جدة بانها "مدرسة النخبة"، وعبرها تعرف بن لادن الى فكر "الاخوان المسلمين" حينما كان الملك فيصل قد فتح ابواب السعودية لمدرسين من سورية ومصر والاردن يحملون فكر "الإخوان".

يقول عنه برايان فايفيلد شايلر (69 عاما) إن "بن لادن كان خجولا لكنه على درجة عالية من الادب" كما كان "طويلا وكان الاكثر وسامة بين أقرانه ويتمتع بثقة عالية بالنفس" و "لم يكن يدفعه أحد لآداء واجباته المدرسية، لم يكن يريد أن يري نفسه على أنه الأذكى في الصف كما هو حال الطلاب في كل الازمان لكنه كان ينتظر منك ان تسألة حتى يعطيك الاجابة" وكان يحب من اقرانه ان ينادوه بـسامي.

سافر بن لادن عام 1971 الى السويد وبالتحديد الى مدينة فولان السويدية مع اخيه سالم، ويتذكر كرستيان اكر بلايد صاحب فندق "استوريا" الذي استقرا فيه الاخوان أنهما "كانا جميلين جدا، لقد اعجبت بهما فتيات المدينة اللواتي شاهدنهما، وكان اسامة يلعب دائما مع ابنائي".

وتتذكر زوجة صاحب الفندق المبالغ الكبيرة التي كان يحملها الفتيان حينما كانت تنظف غرفتهما عادة، وتضيف "كانا في نهاية الاسبوع يضعان ملابسهما على الأسرة الزائدة الموجودة في كل غرفة. اعتقد انهما كانا يستخدمان ملابسهما لمرة واحدة، وكانت ملابسهما جديدة كل يوم". وتضيف: "لم أشاهد أي ملابس غير نظيفة في غرفتهما! كما كانت لديهما حقيبة كبيرة لمجوهراتهما، مثل السلاسل والساعات وغيرها".

والتحق الأخوان فيما بعد بالدراسة الصيفية في كلية أوكسفورد للغات في العام 1971 نفسه، وهناك كوّنا مجموعة ضمت فتيات اسبانيات.

درس بن لادن في ميدان الإدارة والاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، وتشير مصادر إلى أنه حاز درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1979 فيما تشير مصادر اخرى الى حصوله على درجة البكالوريوس في العلاقات العامة عام 1981. في حين تنفي مصادر ثالثة ان يكون بن لادن قد نال اي درجة عليا وتزعم انه ترك الدراسة في الجامعة حينما بلغ الصف الثالث.

خلال الجامعة، تأثر بن لادن بفكر محمد قطب وعبد الله عزام، والاول كان بمثابة الداعية الرسمي لفكر اخيه سيد قطب الذي كتب "معالم في الطريق"، وهو الكتاب الذي يعد اللبنة الاساسية في "الجهاد" للمجموعات الإسلامية المتشددة والداعي للجهاد ضد كل من هو غير مسلم.

أما عزام وهو فلسطيني فقد أسس للجهاد ضد السوفييت في أفغانستان واغراق الشبان العرب (مثل بن لادن) في الجبهة الافغانية وخصوصا شبان الشرق الاوسط والسعودية. وعزام هو الذي درس اسامة بن لادن على تعاليم موسى القرني والذي قيل انه "مفتي بن لادن" والذي كانت فكرته الاساسية ان المسيحين و اليهود هم اعداء الاسلام.

ونقلت عنه في محاضرة "ان الفوضى التي تعيشها الانسانية اليوم من قتل وهجمات و اغتصاب و سرقة وغيرها سببها ان اعلام اليهود و النصارى وغيرها من المعتقدات والاديان قد ارتفعت أعلى من راية الاسلام. دعونا ننظر الى ما كتب في القرآن واي موقف يجب ان نقفه ضد اعداء الاسلام ؟

علينا ان نقبل اولا ان هناك من يريدنا ان لا نستخدم مصطلح (أعداء الله) ويريدون منا ان لانقول ان النصاري واليهود هم اعداء الله، لايريدون منا ان نقول ان اليهود والنصارى هم اعداء الاسلام، لقد قيل ذلك في القرآن، يجب ان نقول ذلك ايضا، وان يكون هذا اللفظ على السنتنا والسنة اطفالنا وكافة المسلمين، هناك اناس يحاولون التغاضي عن هذه الاشياء و يحاول تجاهل العداء بين المسلم وغير المسلم، نعم هذا صحيح، فدين الله هو التسامح، ولكن ماذا اذا ان كان هناك من يقاتل دين الله ويقاتلون من يحب الله ويدمرون صورة الاسلام والمسلمين ويحاولون اضعاف الاسلام؟"

الزوجة الاولى

في 1974 تزوج بن لادن وهو لم يتجاوز السابعة عشرة بنجوى غانم، وهي ابنة خاله والتي انجب منها على الاقل عشرة اولاد منهم ابنه سعد الذي ولد عام 1979 وواصل السير على خطى ابيه فيما بعد في القتال مع "القاعدة" وتردد انه كان مسؤولا عن تفجير شهدته تونس في الحادي عشر من نيسان عام 2002 وشارك في تفجيرات الرياض بتاريخ 12 أيار 2003 وتفجيرات المغرب بعد هذا التاريخ بأربعة ايام.

رافق سعد والده اسامة حينما كان مقيما في السودان خلال الفترة بين عامي 1991 و 1996 وتبعه الى افغانستان وتزوج من يمنية وقيل ان بن لادن تزوج من اربع سيدات اخريات وطلق واحدة وهي "ام علي بن لادن" والتي كانت محاضرة ودرست في المملكة العربية المتحدة وقضت اجازاتها في الخرطوم حيث استقر بن لادن فيما بعد.

ووفقا لما قالته وصال الترابي زوجة الاسلامي السوداني المعروف حسن الترابي، درست "أم علي" الاسلام لعدد من العائلات في الرياض وكانت زوجات بن لادن الثلاث الاخيرات كلهن يدرسن في الجامعات اي "محاضرات"، وأضافت ان سبب اقتران بن لادن بزوجاته المحاضرات كان بسبب قضائهن جل عمرهن في الدراسة وبالتالي فاتهن قطار الزواج ولذلك فقد تزوج بهن "للثواب".

ونقلت المصادر عن "ابو جندل" رئيس حماية بن لادن ان "ام علي" طلبت الطلاق من بن لادن حينما كانا في الخرطوم لانها لم تتحمل الاستمرار في هذا الزواج ذي المستقبل الغامض.

وخلال كل زيجاته كان لبن لادن ما بين 12 و24 ابنا وابنة منهم نجوى التي انجبت مابين 10 و 11 طفلا منهم عبد الله وعمر ومحمد وسعد و محمد بن لادن (1983)، والاخير تزوج من ابنة محمد عاطف احد رجالات "القاعدة" في قندهار بأفغانستان.

معجب بوتني هيوستن

ويبدو ان بن لادن لم يكتف بزيجاته الخمس بل اراد ان يتزوج المغنية الأميركية "وتني هيوستن" لأنه كان مهووسا بها، وليس لأنها خريجة "فاتها قطار الزواج" وهو المبدأ الذي اتخده مع زيجاته الاخريات، على ما تقول شاعرة و روائية سودانية هي "خولة بوف".

وأضافت الروائية: "أخبرني ان وتني هيوستن هي اجمل امرأة على الارض"، ولكنه لم يكن يحترم زوجها بوبي براون و"أراد ان يراه مقتولا"، حسب وصفها.

وأضافت في "يوميات فتاة ضائعة"، "قال بن لادن انه يشتهي وتني هيوستن رغم ان الموسيقى هي من الشيطان. وروى ايضا انه صرف اموال طائلة من اجل الذهاب الى اميركا وتدبير لقاء معها وأراد ان يعطيها قصره في الخرطوم، وهو مستعد من اجلها لتطليق كل زوجاته وابقائها الوحيدة على ذمته".
وتابعت الروائية ان بن لادن كان دائم التحدث عن جمال هيوستن ودفء ابتسامتها، قائلاً إنها تمثل الاسلام الحقيقي الذي شوهته الثقافة الاميركية". وكان ينتقد تصرفات زوجها بوبي بروان قائلاً انه يسعى إلى قتله "كما لوكان من الطبيعي قتل زوج امرأة للحصول عليها".

واكدت خولة بوف انها غالبا ما وجدت صور وتني هيوستن في حقيبة "ثقافية" كان يسميها الى جانب مجلات "البلاي بوي".

عاد بن لادن في عام 1974 بعدما اكمل دراسته الاعدادية الى اوروبا ليكمل دراسته مع سالم قبل ان يعود تاركا أخويه سالم ويسلم، وتنقل الاخير بين جامعات السويد وكاليفورنيا وعاد اسامة ليلتحق بجامعة الملك عبد العزيز بينما عاد اخوه سالم لادارة شركات ابيه في مجال البناء وكان يأمل من اخيه اسامة ان يتحمل جزءا من العبء ليواصل هو دراسته في الجامعة في الهندسة المدنية، وهو تخصص تلك الشركات، ونجح بن لادن في الجمع بين العمل والدراسة في تلك الحقبة.

وفي الجامعة كما تقول بعض المصادر التقى الاردني (من اصل فلسطيني) عبد الله عزام، وكانت جدة تمثل في ذلك الوقت مركز التقاء العديد من المسلمين من كل العالم في مدارسها الاسلامية والتي كانت بيئة خصبة لعبد الله عزام ليستعد للمرحلة الآتية من حياته.

يتذكر عبد العزيز بن لادن تلك الفترة قائلا: " بدأ بن لادن يقرأ الكتب الدينية بانتظام ويدخل في الانشطة الدينية المقامة في جامعته ويغوص فيها اكثر فاكثر، ثم دخل في مناقشات فقهية في الدراسات الاسلامية وبدأ يكون له شبكة علاقات منها مع الأمير تركي بن فيصل الذي اصبح فيما بعد رئيسا لاجهزة المخابرات السعودية".

مواصفاته

وبعيد عن كل ما يقال عن زيجاته وامانيه فان وصف بن لادن عند "الأف بي اي " الاميركية يختلف تماما عن جانبه العاطفي الذي وصلنا اليه حتى الان، فطوله يبلغ 194 سم و يزن 75 كيلوغراما ويكتب باليسرى وغالبا ما يتجول برفقة عصاه ولا يحب لبس الملابس السعودية (اللباس الوطني) رغم انه يفضل ان تكون ملابسه ناصعة البياض. يتحدث بصوت منخفض وبسحر خاص ودبلوماسية مع ضيوفه ويرفض الحديث باي لغة غير العربية رغم انه يفهم الانجليزية.

لم يكن بن لادن الابن يحب المال الذي تركه له والده، ولم يكن ليبقيه لقضاء حاجيته بل ان المال الذي سعى الوالد للحصول عليه اصبح مشكلة كبيرة لابنه الذي قيل انه ورث (250 مليون دولار) عام 1968، ومع الدخول في عقد السبعينات كانت الثقافة بدات تتغير في الشرق الاوسط، بدأت عائدات النفط بالتزايد، تصاعدت الحرب مع اسرائيل والاتصالات المتزايدة مع الغرب وتدخل الغرب بعد ازمة النفط في 1973 في منطقة الشرق الاوسط اتسع ايضا بدوره، وكذلك تصاعدت الحركة الاسلامية في دول الخليج في تلك الفترة مع الاستعانة بمدرسين من مصر والاردن كانت اغلب ميولهم اسلامية متشددة ان لم يكن الكثير منهم، وهو ما انعكس على المناهج وما تريد هذه الدول التخلص من آثاره اليوم.

كان المد الاسلامي قد وصل الى ذروته في نهاية السبعينات حينما نجح الخميني في الوصول الى السلطة في ايران في شباط 1979 بعد ان ابعد الشاه وانشأ الجمهورية الاسلامية وبدأ الخوف يعم الدول الاسلامية المحيطة من المد الشيعي القادم، وجاء الاصطدام الاول لبن لادن مع قوى الامن السعودية في وقتها في نوفمبر 1979 حينما تحول احد المساجد الى ساحة معركة دموية بين قوات الامن السعودية و المسجد الذي كان يرتاده اسلاميون راديكاليون وقد الهمته هذه الحادثة كثيرا كما قال صديق مقرب له " قال لي ان اولئك الرجال كانوا مسلمين حقيقيين وقد اتبعوا الطريق الصحيح", وكان القرار ان يتبع نفس المصير.

البداية

ساعدت ثروته التي زهد بها وعلاقاته في ان يمارس بن لادن "هوايته" المفضلة الا وهي دعم "المجاهدين" في افغانستان ضد الاتحاد السوفيتي ايام احتلال الاخيرة لهذا البلد عام 1979 بعد ان تحول مدرسه عبد الله عزام عن مهمته (التدريس) الى مجاهد استقر في بيشاور الباكستانية بعيدا عن السعودية، وكانت تلك المدينة منطلقا للمجاهدين نحو الحدود الباكستانية الافغانية في طرفها الشمالي الغربي، وكان دور عبد الله عزام تحضيرهم من اجل بدء مهماتهم في افغانستان منطلقين من شرقها.

كانت بيشاور المدينة الباكستانية على الحدود الافغانية خليطا من الجواسيس الروس والاميركين، اللاجئين الافغان، المقاتلين العرب، المجاهدين وكان بن لادن في الثالثة والعشرين وقد وجد القضية التي طالما كان يبحث عنها ليقاتل من اجلها فدخل شابا مفعما بالحيوية وخرج "رجلا" كما يحب ان يصفه المدافعين عنه.
بعد شهر من وصوله الاول الى بشاور عاد بن لادن الى السعودية محاولا دعوة اخوته للدخول معه في رحلته بالاضافة الى دعوة اقاربه واصدقائه وزملائه القدامى في المدرسة من اجل مواجهة الاتحاد السوفيتي لكنه عاد في المقابل بمبالغ مالية كبيرة وكان الفقراء الافغان و الباكستانيين هم من استجابوا لماله بدل اخوته وفي الاسبوع الاول من بقاءه في بيشاور قابل، عبد الله عزام.

الانقلاب

قرر عزام ان يبقي بن لادن بعيدا عن المواجهات لكي يستفيد من امواله في دعم المجاهدين وخصوصا تنظيم معسكرات التدريب لهم وخلال السنوات الاولى من الثمانينات انتقل بن لادن ليعيش في عدة منازل تقع على شارع "ارباب" الذي يقود الى الجامعة الرئيسية في غرب بيشاور وكان قريبا من شارع "غولشان اقبال " حيث كان مسجد كان جل زائريه من العرب واستخدمه عبد الله عزام مركزاً رئيسياً لتجنيد "المجاهدين"، وهو نفس المكان الذي قتل فيه عبد الله عزام عام 1989 حينما استهدف بسيارة مفخخة وقد اتهم البعض بن لادن بأنه كان وراء هذا الانفجار لان عزام كان قد "انحرف" في مسيرته الجهادية في ذلك الوقت فيما اشار البعض الاخر الى اتفاق حصل بين قلب الدين حكمتيار و ايمن الظواهري للتخلص من عزام... ونفوذه.

انشأ بن لادن عام 1984 "مكتب الخدمات"، وكان من مهماته توفير المال والعتاد للمقاتلين القادمين من انحاء العالم للمشاركة في الحرب الافغانية. وكان مكتب الخدمات يوفر بطاقات السفر والاقامات ورشوة السلطات الباكستانية لغض النظر عن اعمال "المجاهدين" الافغان مهما كانت،واسس المكتب طرقا خاصة لانتقال "المجاهدين" مازال بعضها فعالا حتى يومنا هذا.

وكان بن لادن غالبا ما يسهر يناقش في الاسلام وتاريخ الشرق الاوسط مع من اصبحوا اتباعه، وكان يشعر بالغضب من تصرف البريطانيين مع العرب بعد الحرب العالمية الاولى. ولم يتوان منذ ذلك الوقت عن انتقاد العائلة المالكة السعودية وكيف منحت القوة للوهابية، كما كان دور بن لادن خلال هذه الفترة متابعة مناقشات المتطوعين القادمين من مختلف الاصقاع في الدين الاسلامي، وغالبا ما كانت تلك المناقشات تدور حول سورة (ال ياسين) التي كانت مفتاحا في دراساتهم القرآنية، وفيها وضح النبي محمد رسالته بصورة كاملة والمهمات التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها وكان غالبا ما يتحدث عن صلاح الدين الايوبي وقد يكون معتقدا انه كان يحمل جزءا من هذا القائد فيه.

على أرض المعركة
في احد صباحات عام 1986 كان قرار بن لادن المشاركة في الحرب الافغان في الوقت الذي قررت فيه الولايات المتحدة في اواسط الثمانينات زيادة مخصصاتها المالية للجماعات المقاتلة في افغانستان وزاد توافد الشبان العرب الى افغانستان بشكل كبير بعضهم هاربا من حكم القانون والبعض الاخر لمجرد المغامرة فيما اختار طرف ثالث "الجهاد من اجل الاسلام" بكل ما تعنيه الجملة من معنى.

كانت السنوات الثلاث التالية كافية ليكرس بن لادن نفسه قائدا في افغانستان وخلالها انسحب بن لادن من مكتب الخدمات بسبب "اختلافات استراتيجية"، بينما كرس عبد الله عزام عمله في متابعة اللاجئين الافغان و المصابين مقابل تكريس بن لادن لعمله في جلب المتطوعين العرب وتأسيس جماعات خاصة بهم وهي الخطوة التي لقيت معارضة عبد الله عزام وقد تكون قد ادت الى مصرعه فيما بعد بالسيارة المفخخة.

وبعد عشر سنوات قرر السوفيات انهاء احتلالهم لافغانستان وتحول الافغان لمقاتلة بعضهم البعض، والعديد من المقاتلين العرب قرروا ترك المعركة والعودة الى بلدانهم لمواصلة "الجهاد"، وكان بن لادن واحدا منهم بعد ان كان قد شاهد "انتصار" العرب وهم موحدين وعودتهم الى الحديث عن فروقاتهم اثر انتهاء حربهم مع السوفييت، وقد كان عمر بن لادن حينها 33 عاما.

حينما احتل العراق الكويت في الثاني من اب 1990 عرض اسامة بن لادن الدفاع عن السعودية بجلب 12 الف مسلح (بعض المصادر تقول 30000 متطوع)، كان بن لادن يرى ان الرجل الذي انتصر الى الاتحاد السوفيتي قادر على الانتصار على صدام حسين بسهولة، ولكن الحكومة السعودية رفضت العرض ليعارض بن لادن اعتماد السعودية على الولايات المتحدة للدفاع عنها وطالب بانهاء الوجود الاجنبي في المملكة، ومما زاد من تعقيد الامور كان بقاء القوات الاميركية في السعودية رغم انتهاء الحرب وبقاء صدام حسين في السلطة بعدها اثر قمعه للاضطرابات التي حصلت في بلاده.

الأمير الذي اصبح ملكا

في هذا الوقت ظهر الامير عبد الله (ولي عهد الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز ال سعود) متحدثا مع المتطوعين عن اهمية الصداقة والوفاء للبلد الذي يعيشون فيه لكن دون ان ينسى مدى الخطر الذي يشكله هولاء على أمن المملكة. وقال الامير عبد الله وقتها " عائلة محمد بن لادن كانت دائما وفية للمملكة. لقد ساعدتنا كثيرا وقت حاجتنا اليه، ونحن على ثقة انه لن يسمح لاي كان ان يؤثر على هذه العلاقة في المستقبل".

في خريف العام 1990 كان الامير عبد الله (الملك حالياً) قد التقى المتطوعين العرب في افغانستان في احد قصوره في الرياض وكان " يمكن ان ترى الغليان في عيني بن لادن" الذي كان حاضراً على ما يقول أحد الذين حضروا الإجتماع. هذا الغليان كان نابعا من ان 300 الف غربي كانوا على ارض السعودية بالقرب من مكة المكرمة والمدينة المنورة ويقومان بحمايتهما في الوقت الذي كانت فيه اخر كلمات النبي محمد صلى الله عليه وسلم تقول انه لايجتمع دينان في الجزيرة العربية.

بدأ بن لادن بتاليب دارسي الاسلام والزائرون من الخليج على حكومته معتمدا على شهرته وقدم محاضرات في العديد من مدن المملكة، مسجلا العديد من الاشرطة ووزعها من خلال المساجد وارسل بالفعل 4000 متطوع الى افغانستان للتدريب وسرعان ما قامت الحكومة السعودية بوضعه تحت الاقامة الجبرية في الوقت الذي كانت فيه عائلته تخشى على علاقاتها مع الحكومة السعودية.

مرحلة السودان... افتح يا سمسم
يقول تقرير الكونغرس الخاص باحداث 11 أيلول: " بمساعدة عدد من افراد العائلة الحاكمة السعودية نجح بن لادن في الخروج من السعودية لحضور حفل خاص في باكستان عام 1991 ولكن ظهر حسن الترابي الذي دعا بن لادن للاستقرار في السودان. وتقول مصادر ان حسن الترابي هو من رتب له الخروج من السعودية وهو ما تم حينما بدأ بن لادن بشراء ممتلكات له في هذا البلد منذ عام 1990 في الوقت نفسه الذي بدات فيه الحكومة السعودية بممارسة ضغوط عليه وسحبت جنسيته عام 1994 وكان رد بن لادن وقتها ان انشئ مكتبا اعلاميا له في العاصمة البريطانية لندن ليقوم بالدعاية ضد النظام الحاكم في السعودية وكان خالد الفواز (ابوعمر ) هو من يديره وكان ابو عمر قد انتقل الى لندن في ذلك الوقت وقد قيل ان الفوزا حاول ايجاد مكان لبن لادن في بريطانيا ليستقر فيها.

اسس بن لادن لنفسه قاعدة قرب الخرطوم بالاستعانة بالسودانيين اللذين شاركوا في افغانستان وكانت مهمته الرئيسية في البداية حماية النظام السوداني وتزوج احدى قريبات الترابي وجنى المال من اطلاق شركان بناء وشركات اخرى لاستثمار السمسم الذي كانت السودان ثالث اكبر منتج له في العالم وبدأت الحكومة السودانية تعاني من الحصار الدولي لها.

وكانت هذه احدى الاوراق التي لعبت بمصير بن لادن، خصوصا بعدما أخذت تتابعه" السي أي ايه" في منتصف التسعينات. ومن السودان يعتقد ان بن لادن بدأ باستهداف الغربيين حينما ربطته تقارير في هجوم حصل في 29 كانون الأول 1992 حينما تم تفجير فندق المهر الذهبي في عدن متسببا في مقتل موظف يمني في الفندق الى جانب نزيل استرالي وجرح زوجته. كان بن لادن قد بنى لنفسه منظمة ذات هيكل صلب في السودان،

وفي ذاك الوقت ايضا كان يتنقل عبر جواز سفر خاص بمتطوع قتل في الحرب على افغانستان فيما اختارت السعودية الابتعاد عنه بكل الطرق. ويقول الوزير السعودي غازي القصيبي :"لقد قرأت تقارير تقول ان ثروته وصلت الى ما بين 300 مليون دولار الى 400 مليون دولار في ذلك الوقت ولكن هذا ليس صحيحا، لقد كانت المملكة تحرص كل الحرص على ألا يصل منها اي دعم في اي شكل له".

كانت رؤية الحكومة السعودية صحيحة، وقد تكون تلك الرؤية تسببت باول انفجار تم فيه لوم بن لادن (الذي يبدو انه انتقم) وذلك عام 1995 عندما اعترف اربعة افغان في فيديو بثته الحكومة السعودية بمشاركتهم في الهجوم،

وبعد عام منه استهدفت ابراج في الخبر وكان الملام بن لادن ايضا. وفي العام نفسه بدأت السودان تضيق ذرعا بضيفها بن لادن، ليتصل حسن الترابي بسفير السودان في افغانستان عطية بداوي المستقر في بيشاور، وكان قد تعلم اللغة البشتونية حينما كان يقاتل مع الافغان ضد الروس ولديه علاقات ممتازة مع المجاهدين السابقين من تلك الايام، واستخدم اتصالاته ليقنع القادة في جلال اباد بأن غنياً سعودياً يريد منهم حمايته ويمكن لامواله ان تعكس مجريات المعركة لتصب في مصلحتهم، فقرر القادة الثلاث الذين توفوا فيما بعد السفر الى السودان من اجل اللقاء ببن لادن ودعوته للعودة الى "ارض الجهاد.