أنا لست مع ضرب المرأة فقط، أنا مع سحلها...


روان عز الدين - الأخبار
أنا لست مع ضرب المرأة فقط، أنا مع سحلها

كأن المدينة تخدّرت. في الطابق الثالث من "النيابة العامّة" في بيروت (العدلية)، بدا المشهد حقيقياً، ومشابهاً تماماً لوجه المدينة السفلي. يعكس المشهد حالة مجرّدة: القهقهات الهستيرية، والمصطلحات الذكورية والأصوات العنيفة. هذه وحدها كافية لتردّد صدى الوعود الخائبة لقضايا كثيرة، أهمها العنف الذكوري ضد النساء. هنا، لن يسلم أحد، السلطة الذكورية تتمثّل بمعناها الفعلي لا المجازي، وإن كان المشهد غير مألوف

لمن يبهرهم الجانب البصري للمدينة، ويوهمهم أنها بخير.

حسناً، يمكننا تصوّر ما حصل، تكفي لقطة مقرّبة على غرفة الانتظار الخارجية في الطابق الثالث لـ "النيابة العامّة" في بيروت. حدّق العجوز كثيراً في وجوه الواقفين، علا صوته وهو يتكلم مع الموظّف، فيما يرفع يده الممسكة بأوراقه إلى الأعلى. خرج من الغرفة وجلس على المقعد الخشبي الطويل، منضماً إلى هؤلاء الذين ينتظرون أدوارهم. علا صوته مرّة أخرى وهو يناقش رجال الأمن في الخارج بكلمات غير مفهومة، السبب هذه المرّة هو سيجارته المشتعلة، بينما تولى الجالسون مهمّة تنبيه الناس إلى عدم التدخين. "لأن هذا الصراخ بسبب سيجارة العجوز"، تخبر المرأة الواقفة إلى جانب النافذة. تحت عينها اليسرى بقعة بنفسجية نافرة عن الجلد قليلاً.

وقد كانت قبل دقائق تقول لرجال الأمن الذين يصعدون وينزلون على الدرج بخطوات مستعجلة، "أتيت لأقدم شكوى ضد زوجي، لأنكم لم تساعدوني عندما طلبت منكم". كانت مبتسمة، كأنها تعرفهم من قبل. ردّدت الجملة مراراً دون أن تستوقف شكواها أحداً. قالت عبارتها بخفّة لا تتوافق مع معناها وأبعادها، من دون انفعالات غضب. الخبر ارتطم أيضاً بآذان الجالسين دون إثارة انتباه أحدهم. ألا تشبه هذه الجملة الأخبار اليومية التي نقلت إلينا خبر قتل رولا يعقوب واخريات على نحو عادي أيضاً؟ أمام مكاتب القضاة، خرج رجل يضع قبعة مسطحة على رأسه، لم نتمكّن من التعرّف إليه. يلبس ثياباً شبه رسمية، وفي يده محفظة سوداء. تقدّم نحو الرجل العجوز تحدّث معه وهو يضحك، لكنّ المرأة التي اتجهت نحو باب أحد القضاة، قالت للرجل "زوجي ضربني، أتيت لتقديم الشكوى لأنكم لم تساعدوني حينها، زوجي ضربني". بالطبع لم يرد الرجل "المبسوط" أن يضع نهاية مخيبة للمشهد. أتى جوابه ملائماً تماماً (ربما؟) "أنا لست مع ضرب المرأة فقط، أنا مع سحلها أيضاً". مشهد وقع امس فعلاً. تبد اثار "الكدمة" البنفسجية تحت عين المرأة منفّرة لأحد، كذلك ضحكة الرجل صاحب القبعة "المسطحة".

 

عودة الى الصفحة الرئيسية