دار علي حمود في صيدا القديمة: من مبنى تراثي إلى صرح أكاديمي


محمد صالح - السفير
يخبئ دار «علي حمود» الأثري في صيدا القديمة، كنوزاً في فن العمارة العربية والإسلامية، ويُعدّ واحداً من المباني الأثرية الرائعة في القرن السابع عشر الموجود في زواريب المدينة القديمة التي نقشتها يد الفنان المعماري العربي والإسلامي.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذا المبنى ربما يسبق «قصر العظم» في دمشق، أو يتساوى معه في بنائه زمنياً. وتؤكد المصادر أن أسعد باشا العظم والي صيدا آنذاك، اتخذه مقراً لحكمه قبل أن ينتقل إلى الشام. ثم تحوّل المبنى مع بداية القرن التاسع عشر وقفاً لـ «جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية» في صيدا، التي اتخذته مقراً لـ«مدرسة عائشة أم المؤمنين» لطلاب وتلامذة المدينة القديمة.

وقبل مدة، انتهت أعمال وأشغال ورشة ترميم وإعادة تأهيل المبنى، والتي شملت تنظيفه وتحضيره، ثم قشر الورقة الإسمنتية عن بعض الجدران، وإزالة المخالفات والسقوف الإسمنتية المستجدّة عليه، وتنظيف الأحجار والأعمدة الأثرية وإعادة المبنى إلى وضعه الأساسي من الناحية الأثرية.

وفي كتب التراث وفن العمارة دلائل على أن الحديث عن «دار حمود»، يعني الكلام عن فن العمارة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والتأثيرات العمرانية والهندسية الموجودة داخل أروقة الدار هي تأثيرات متبادلة بين لبنان والشام في العمارة في العصر العثماني، وتمثل حرفة يدوية متميزة، وهذا يظهر سواء في التشكيل اللوني أو في تشكيل المسطحات وبركة المياه، وتنظيم الفتحات وانتماء البيت بين ما هو سائد في فن عمارة البيوتات الدمشقية وبينه.

وقد حافظت ورشة الترميم في المبنى على تراث المنقوش والمحفور وإعادته إلى رونقه، لكونه يمثل جزءاً من تراث هذه الأمة، لأنه تراث شعب وتراث لبناني عربي إسلامي تفتخر صيدا أن تحتضنه في مدينتها.

يقع البناء في داخل مدينة صيدا التاريخية عند مدخل بوابة الشاكرية. والمبنى يشغل الجزء العاشر والثاني عشر من العقار 226، وقد أقامه علي الحمود، طبقاً للنص التأسيسي المحفور فوق مدخل القاعة الرئيسية، الذي يشير إلى وفاته في العام 1750.

وطبقاً للنص التأسيسي على مدخل القاعة من الداخل أيضاً، فإن البناء قد تمّ في العام 1143 هجري، أي خلال الفترة بين 17 آب 1730 و7 حزيران 1731 ميلادي.

وقد أقيم الدار في الأصل سكناً لعائلة علي الحمود، ثم أقام فيه والي صيدا أسعد باشا العظم خلال الفترة الممتدة بين العامين 1730 و1734، ثم أصبح في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وقفاً لـ «جمعية المقاصد الإسلامية» مدرسة لتعليم الصبيان والبنات حتى منتصف القرن العشرين.

وبعد انتقال المدرسة إلى مكان آخر، وخلال الحرب الأهلية والفوضى التي وقعت في لبنان، أقامت في المبنى عشرات العائلات المهجرة. ثم أخلي من المهجرين بعد انتهاء الحرب ليبدأ التفكير جدياً بعملية ترميمه، وقد أطلقت «مؤسسة الحريري» فيه أواخر التسعينيات «بيت المختبر» لتعليم عدد من أبناء المدينة القديمة وطلاب الجامعات على تقنيات الترميم.
وقد أشرفت على ترميمه «مؤسسة الحريري» بناء لبنود الاتفاقية الموقعة بينها وبين «جمعية المقاصد» في تشرين الأول من العام 1997.

واليوم، تحوّل المبنى إلى حدث تربوي وأكاديمي، حيث من المقرر أن يحتضن دار علي حمود الأثري «المبنى القديم لمدرسة عائشة» اليوم، افتتاح أول أكاديمية من نوعها للتدريب «أكاديمية القيادة والتواصل الخارجي» بالشراكة بين «مؤسسة الحريري» والجامعة اللبنانية الأميركية، وتتوزع على 14 غرفة ومكتباً إدارياً رئيساً وفناء خارجياً ضمن الدار.