إختر من الأقسام
آخر الأخبار
إقتصاد وأعمال | لبنان
لا حل لنكبة اللبنانيين: أين اختفى بنزين البواخر السبع؟
لا حل لنكبة اللبنانيين: أين اختفى بنزين البواخر السبع؟
المصدر : خضر حسان - المدن
تاريخ النشر : الأربعاء ٤ حزيران ٢٠٢١

من المفترض أن البواخر السبع المحمّلة بكميات من المحروقات تكفي السوق لنحو أسبوعين، قد شارفت على تفريغ كامل محتوياتها، فيما تغذية السوق بتلك الكميات، قد بدأت منذ يوم الخميس 10 حزيران. إلا أن انعكاسات رفد السوق بكميات إضافية، لم تُلحَظ، فالطوابير ما زالت على حالها، وزادت حدّتها في بعض المناطق، وارتفعت معها معدّلات الفوضى والإشكالات على أفضلية التعبئة وكمياتها.
لا أحد تطوَّعَ لتحمّل مسؤولية ما يحصل. كل طرفٍ يرمي كرة النار عند الطرف الآخر، والمسؤولية موزّعة بين وزارتّي الطاقة والاقتصاد ومصرف لبنان والشركات المستوردة والموزّعين وأصحاب المحطات. وبعيدًا عن صاحب السبب المباشر، أخذ وزير الطاقة ريمون غجر مؤخّرًا على عاتقه، وضع فتيل جديد يزيد تفجير الأزمة، مذ أعلن بتصريحه "التاريخي" أن رفع الدعم آتٍ، ومَن لا يملك ثمن البنزين، فليركب شيئًا آخر غير السيارة.

من أزمة إلى نكبة
يزخر قاموسنا اليومي بالمصطلحات التي توصّف محطّاتنا السلبية الموزّعة بين السياسة والاقتصاد والأخلاق. وعلى غرار الهزائم المتتالية التي تضربنا منذ تفكك السلطنة العثمانية، يمكن استعارة توصيف الواقع (النكبة) وإسقاطه على يومياتنا مع البنزين. وعليه، فالمسألة تنتقل من أزمة خلقها شح الدولار وتهافت تجار الأزمات على تخزين البنزين وتهريبه، إلى نكبة لن يدفع ثمنها سوى المواطن غير المدعوم سياسيًا على المستوى الداخلي، أو مَن لم يجد مساعدة ضمن برنامجٍ من برامج جمعيات المجتمع المدني، أو مَن لا مُغتَربَ يعينه ببضع دولارات شهريًا.

يستمر تحوّل الأزمة إلى نكبة مع دخول المواطنين على خط التأجيج. فالبواخر السبع، ذابت محتوياتها في زحمة الضغط اليومي على المحطّات. وهو ما يراه ممثل موزّعي المحروقات فادي أبو شقرا، في حديث لـ"المدن". حيث أعاد سبب استمرار الطوابير، إلى "هلع المواطنين وتخزينهم المتواصل للبنزين. فالسوق فيه كميات كافية، والشركات تسلّم المحطات بشكل دوري وطبيعي". والحل بالنسبة إلى أبو شقرا، هو "تخفيض نسبة الدعم".
وجهة نظر أبو شقرا ما زالت أخف وطأة ممّا يريده وزير الطاقة، الذي ضرب عرض الحائط أي إمكانية لتهدئة الوضع، إذ دعا الناس إلى الاقتناع واعتياد الواقع والتخلّي عن السيارات في حال عدم القدرة على ملئها بالوقود، ما أجَّجَ الحاجة للوقود ورفع مستوى عدم الثقة وزاد طوابير السيارات، فأكمَلَ بذلك الوزير، انتقال الأزمة إلى نكبة، وسط انعدام قدرة الدولة على إدارة الكارثة.

حلول غير مجدية
بين ترشيد الدعم ورفعه كليًا، يقبع خيار اعتماد سعر الصرف 3900 ليرة للدولار، كسبيل لتنظيم بيع المحروقات. فبدل احتساب سعر الصفيحة وفق سعر السوق، تُباع المحروقات بسعر 3900 ليرة. أي إن كان سعر صفيحة البنزين اليوم 43500 ليرة بالسعر المدعوم، أي 29 دولار، فيصبح سعرها نحو 113 ألف ليرة، بدل نحو 435 ألف ليرة وفق سعر السوق.

هذه الحلول غير مجدية مهما تعدّدت. فارتفاع سعر المحروقات سينسحب على الكثير من السلع والخدمات، وسيفاقم مشاكل المواطنين المنتظرين نهاية هذه اللعبة أو على الأقل فرملة تبعاتها.
لا أحد يملك الحلول إلاّ "بالمفرّق". فكل حزب أو جماعة تحاول رفد أنصارها بما أمكن من المساعدات، إما بالمال أو المحروقات، من دون أن تتمكّن تلك المساعدات من تشكيل ديمومة تزيل القلق. والقلق لن يتراجع إلاّ ربما على وقع نتائج المفاوضات الأميركية الإيرانية التي تخفف الأحقاد الداخلية بين قوى السلطة. تلك الأحقاد التي تساهم في خنق الناس.
من طوابير المحطات إلى الصراع الأميركي الإيراني، تمتد نكبة البنزين في لبنان، ومثلها باقي النكبات في أكثر من قطاع. ولا دولة ولا مَن يحزنون. فالأمور في هذه البقعة الجغرافية تسير بفعل الجاذبية، كالسقوط الحر الذي لا يعيقه شيء. أما تراكم الأزمات كمًّا، فلا يولّد تغييرًا نوعيًا على نحو ما تنبّأ به كارل ماركس. فهنا، لا مكان للمعادلات الرياضية أو الاستنتاجات الفلسفية، بل لمنطق أحزاب أفلست الدولة وروَّضت الشعب.

سبع بواخر وأسبوعان سينقضيان ومجهول بعدهما. وزير طاقة لا يفقه شيئًا سوى تبرير الخراب. وتجار أزمات تحييهم النكبات وارتفاع الأسعار. ولا حلّ يُعتَمَد عليه.


عودة الى الصفحة الرئيسية