الذكرى السنوية الأولى على غياب الشاعر والمترجم والصحافي بسام حجار ...


الذكرى السنوية الأولى على غياب الشاعر والمترجم والصحافي بسام حجار

لم يتوقع أحد أن يرحل بسام حجار يوم 17 شباط 2009. الشاعر والمترجم والصحافي، الذي أمضى حياته في عزلة عن بيروت وصخب مقاهيها وحاناتها، ونمنمات الأصدقاء والشعراء، غادر كما عاش دوما، هادئا وخفيفا ومحاطا بالقليل من كل شيء، ما عدا الشعر والترجمة. في اليوم التالي لوفاته، أفردت الصحافة اللبنانية، مساحة واسعة من أجل رسم

بورتريه له.

لكن بورتريه بسام حجار جاء متأخرا، متمما للغياب وليس تكريما للغائب. كتب الشعراء والأصدقاء عن بسام حجار، متباهين بصلتهم الشخصية به.

كل الكلام الذي قيل وقتها، لم يكن سوى "طبطبات" لا لزوم لها، عجقة زائدة لم يحبها بسام يوما. كلام انفجر مرة واحدة، ولم يتبعه أي خطوة جدية لتكريمه او الاحتفاء بكل ما تركه لنا من كتابات.

لم يكن بسام حجار شاعرا نجما، ولم تعنه المدن أو الامكنة. إلا أنه وعلى النقيض من هذا، فإن قصيدته لم تخرج عن مناخ الغرفة، والمنزل والشارع والرواق واليومي. كتب بلغة بسيطة، متقشفة ومحدودة العناصر.

وكان كتابه الأول "مشاغل رجل هادئ" (1980) إعادة ترتيب لقصيدة النثر بعد ثلاثة عقود على ولادتها.

لكن بسام حجار لم يلتزم كل الموروث الشعري العربي، ولا النثري كذلك، فهو رأى دوما ان اللغة التي كان يُكتب فيها الشعر آنذاك، لم تكن إنعكاسا للحياة نفسها، بل لتاريخ اللغة الشعرية.

الموت، الغياب، الخسارة، الوقت، الفقد، الضجر، الوحدة، الحب، كانت مواضيع متكررة في شعره. كان منطق الفنائية يغلب على مناخ قصيدته، فتبدو كتاباته سوداوية، لكن من دون أن ترهق القارئ. ويبدو أن حجار تنبَّه للاتجاه الذي يسيطر على مزاجه الشعري، فكان يعتمد أولا تقطيع قصيدته إلى أجزاء، منفصلة، كل واحد منها هو عبارة عن صورة بصرية، ثم يكون عليك أن تجد العلاقة بينها.

هذا الشكل الشعري الخادع، أراد من خلاله أن يناور فكرة الموت، أو يحتال عليها، ألا يقدمها مباشرة إلى القارئ.

كان هناك لعبة شعرية، أراد أن يلتزم بها، أن يجذب الناس إليها، بأدوات بسيطة، لا استعارات ثقيلة، ولا ترميزات، وإذا كانت جملته ميتافيزيقية بعض الشيء، فلأنها تحصيل حاصل عن وسواسه بالزمن الذي يسيل بلا توقف.

وقد نلمس في قصائده مقتطفات من الحياة اليومية، تكون لها وظيفة محددة وهي أن تغذي المعنى وتدل عليه. حساسيته الشعرية، كانت نتيجة تجارب شخصية كان محورها الغياب (الأخت/ الأب/ الزوجة/ الصديقة). غير انه وفي مجموعته الاخيرة "تفسير الرخام" (2008)قدم نصا مختلفا عن تجاربه السابقة، كانت الأسطورة والفلسفة أكثر وضوحا هذه المرة، إضافة إلى القصيدة الأخيرة من الكتاب والتي يمكن اعتبارها بيبلوغرافيا شخصية، مراجعة لذكريات وأخطاء سابقة، كما معاينة أخيرة للضجر الذي حمله معه كل تلك الأعوام.

ولد بسام حجار عام 1955، وحاز على دبلوم الدراسات المعمقة في الفلسفة. عمل في الصحافة الثقافية بدءا من العام 1978، وكتب للعديد من الصحف اللبنانية والعربية.

وله يعود الفضل الاكبر في إضافة أسماء أوروبية معاصرة، في الأدب والشعر، للمكتبة العربية.

فقد ترجم بورخيس، سالينجر، مارتن هايدغر، إميلي نورثومب، ياسوناري كاواباتا، جان أشينوز، إيتالو كالفينو، جان بودريار، الطاهر بن جلون، بوهوميل هرابال، يوكو اوغاوا، وغيرها من الأسماء. وقد أخذ عليه أن لغته، تغلب دوما على اللغة الأصلية للعمل المترجم.

لكنه لم يُحتفَ به يوما، ولم تسع وزارة الثقافة اللبنانية لأن تقيم له ولو "مأتما أدبيا" أو تكريما. ظلت ترجماته مجهودا فرديا، انكب على انجازه من أجل قارئ فردي، وليس مؤسسة رسمية.

وعلى كل حال، فإن نوم وزارة الثقافة عن بعض الأسماء، على حساب أسماء اخرى أقل شأنا في الوسط الثقافي، هو أمر معلوم للجميع. أين بسام حجار مثلا من "بيروت عاصمة عالمية للكتاب"؟ هل التفت أحد صوب هذا الشاعر؟ هل خصصت امسية واحدة على الأقل لقراءة شعره في المدينة؟ ذكرى بسام حجار الأولى، تكشف وجها مريبا من وجوه بيروت، وجها انانيا، غير مبال لا بالثقافة ولا بالفكر، وجها مجعدا، باهتا، مثيرا للريبة، مقنعا بالألوان ، وجها لمدينة ملتبسة. فهي بكل ما تحتويه من أمزجة، وحراك ثقافي واجتماعي، تبدو بالغة التعقيد، تمتص المبدع لكنها سرعان ما تتخلى عنه.

يكون غيابه مبررا لقذفه في مطحنة الماضي. وبسام حجار كان محقا ربما في عدم التودد إلى كنف المدن، وبيروت تحديدا، فلا مدينة قادرة على استيعاب المثقف أو أفكاره أو أدواته.

انحاز بسام حجار للكتاب، الكتاب وحده، أمضى عمره مترجما، وشاعرا مطوقا بالصمت. كان قليل المفردات في قصائده، لكن اجتهاداته في النثر فتحت الطريق أمام أجيال لاحقة، لحوالي ثلاثين عاما.

بسام حامل مفتاح القصيدة اليومية. لم نقرأه جيدا لأننا دائما متأخرون، لكن هل كنا فعلا بحاجة إلى موته، إلى غيابه الحقيقي، لكي ندرك أهمية شعره المؤسس أصلا على الغياب؟ بسام حجار كان من أكثر الشعراء شبها بقصيدته، في هدوئه وحضوره الخجول والعميق، وكما قيل عنه أيضا "بسيط".

لا يفصل بيتي عن بيته سوى شارع فرعي صغير. أقيم في نفس المدينة، حيث عاش، لكنني لم أزره يوما، ولم ألتق به. سمعت عنه الكثير، لكنني لا أريد أن أفهمه إلا بالشعر.

كان شاعرا بعيدا عن الأنظار، وذلك في زمن تكاثر فيه الشعراء الديكة. ولأنه عمل على إبتكار نص بخفة وحنكة واختصار، نفترض أن بسام حجار سِرٌّ حزم أمتعته وغادر المشهد، وترك لنا مهمة البحث عنه من خلال نصوصه. وللحقيقة، فإنه كان قد غادر منذ وقت طويل، وليس موته إلا تفصيلا في مشوار انكفائه عن العالم، تفصيلا لا معنى له على الإطلاق.

alrayenews  

عودة الى الصفحة الرئيسية