الثورة العربية: الغرب في الهجوم المضاد؟ (بقلم: العميد أمين حطيط) ...

الثورة العربية: الغرب في الهجوم المضاد؟ (بقلم: العميد أمين حطيط)

مع انطلاقة شرارة الثورة في تونس ومنها الى مصر حاولت اكثر من جهة عربية واجنبية ان تنسب الثورة الى اليد الاميركية، محاولة كان بعضها من باب الحرص على الشعب حتى لا يقع في استدراج، وبعضها الآخر كان من باب الفكرة التي تتملكه او الفكرة التي تريد اميركا إعمالها في الوعي العربي بأن كل ما يتحرك في بلاد العرب لا تكون حركته الا بقرار

اميركي... ولدى التعمق بالثورات التي انطلقت، ظهر جليا ومن غير لبس ان الثورة الشعبية انطلقت بشكل عفوي حتى ومن غير قيادة، انطلقت صرخة من مظلوم مسحوق لم يعد بإمكانه ان يحتمل الظلم والتهميش والاهانة والفقر في الوقت الذي يكنز الحكام الثروات الخيالية. الظلم اذن هو مفجر الثورة او الانتفاضة العربية. اما اميركا والغرب من ورائها فقد فوجئت بالثورات ولم تصنعها، مفاجأة اربكتها لمدة تجاوزت الاسبوعين وهي قطعا مدة طويلة في حساب المواجهات والميادين المشتعلة، ولم تنفع كل التقنيات الحديثة ومراكز الدراسات والبحوث وخلايا الازمات في تقصيرها. لكن وبعد ان استوعبت الصدمة، وتقبلت فكرة سقوط اثنين من عملائها برتبة رئيس عربي (زين العابدين بن علي، وحسني مبارك) انتقلت اميركا الى تنظيم هجوم مضاد يمكّنها من إعادة استلام زمام المبادرة والسيطرة على الوضع واستعادة مصالحها ومكتسباتها في البلاد العربية.

اما العناصر الرئيسية لاستراتيجة الهجوم الغربي المعاكس فقد وضعت كما يبدو، آخذة في الاعتبار سياسات سابقة كرَّست كتابة او افرزتها المؤتمرات ومواقف الاحلاف او نتائج حروب العقدين الأخيرين، بالاضافة الى طبيعة الميدان في كل بلد تشتعل فيه نار ثورة او هو قابل للاشتعال. وهنا من المفيد ان نذكِّر بما يلي:

مقررات وتوصيات مؤتمر هرتسيليا للعام 2009، التي كرست استراتيجية «اسرائيلية» صهيونية لإدارة الحركة في الشرق الاوسط عبر تحويل الصراع من صهيوني – عربي الى عربي – فارسي وسني - شيعي، ورسم خطوط نار تقسم الشرق الى كتلتين متقاربتي القوة بحيث لا يستطيع اي منهما حسم المعركة لمصلحته بل تكون احتكاكات متواصلة تؤدي الى تآكل الطاقات وصولا الى مستوى يمكِّن الغرب و»اسرائيل» من وضع اليد او استعادة وضع اليد من غير حرب او خسائر.
المفهوم الاستراتيجي للحلف الاطلسي حتى العام 2020، والذي يقوم على فكرة إقفال ملف الجبهات والحروب والانكفاء من الميدان الشرقي المشتعل وتعهد النار فيه بيد اهله، نار تكون بصراعات وازمات يكون الغرب في موقع ادارتها وإذكائها وإغراق الشعوب فيها وإشغالهم عن ثرواتهم وحقوقهم بما يمكن الغرب من ان يضع يده عليهم من غير الحاجة الى حروب جديدة، الشعب يحارب نفسه والغرب يستولي على الثروات ويعيد وينتج انظمة حراسة مصالحه بما يوافق المستجدات. ومن اجل ذلك تضمن المفهوم الاستراتيجي الاطلسي الجديد فصلا خاصا بكيفية إدارة الازمات.

انطلاقا من هذا، وبعد ان تجاوزت ثورتا تونس ومصر الإرادة الغربية (الصهيونية ـ الاميركية) بادرت اميركا الى قيادة الهجوم المضاد على الثورات القائمة ومنع وصول الثورات الاخرى الى تحقيق اهدافها، ثم العمل على إحداث توازن احتجاجي بين الدول ذات الانظمة العميلة للغرب والدول ذات الانظمة الممانعة والمواجهة للسياسة الغربية، لتكون الثورات في المشهد العام ثورة شعب ضد الحاكم بصرف النظر عن سياسته الخارجية، وهنا يصبح الغرب خارج المسؤولية ما يمكنه من التدخل كحكم وحماية الشعب من بعضه البعض او حماية الشعب من الحاكم، او حماية الحاكم من «المتمردين» او «الإرهابيين» او «الخارجين على النظام» باللغة الاميركية اي الشعب بالحقيقة القانونية.
و هكذا اعتمدت اميركا والغرب معها استراتيجية وضع اليد على الثورات وحالات الرفض القائمة كل واحدة وفقا لظروفها ومن هنا نجد التطبيقات الثلاثة التالية للاستراتيجية الغربية:

الحالة الاولى: في كل من مصر وتونس: حيث تنفذ محاولة التقرب والاحتواء ومنع التغيير الجذري في السياسة الخارجية عبر اعتماد سياسة الترهيب والترغيب. ويبدو ان هذه السياسة الاميركية لم تبلغ في حركتها المستوى الذي يدعو الغرب الى الاطمئنان مع استمرار زخم الثورة ووعي رجالها.
الحالة الثانية في البحرين: حيث القرار بمنع التغيير عبر اللجوء الى القوة العسكرية والقمع الناري، والاستقالة من مقولة حريات الشعوب وانشودة الديمقراطية وكل ما ارهقتنا اميركا به من الفاظ ومثاليات، فمصالح اميركا اهم من كل حق، لهذا ارسلت «درع الجزيرة» لإفناء اهل الجزيرة « او خنقهم وكم افواههم (البحرين) وهم العزل الذين يطالبون بقدر معقول من حق العيش بحرية وكرامة.

الحالة الثالثة ليبيا: وهي التطبيق المباشر للاستراتيجية الاطلسية الجديدة وحالتها شاهد على الخزي والعار العربيين اللذين تمثلا بقرار ما يسمى الجامعة العربية بطلبها تدخل مجلس الامن وتسليم الشأن الليبي عبره لأميركا وحلفها الاطلسي. والحالة الليبية بالغة الدقة والخطورة. فمن جهة يبدو ان الغرب سيستغني عن خدمات القذافي في يوم قريب بعد ان خدمه لأربعة عقود، ومن جهة يظهر ان الغرب لا يبدي طمأنينة كافية راهنا لحركة الثوار في ليبيا، لذلك فان قراره في ليبيا يتمثل حتى اللحظة في دفعها نحو التآكل والتدمير بيد حاكمها والغرب معا، الى حد يتيح لاميركا واحداً من أمرين: إما تقسيم البلاد ووضع اليد على القسمين بعد فترة من التدمير وعدم الاستقرار ومنع غلبة فريق على فريق طيلة تلك الفترة، او التخلص من معمر القذافي بعد ان يؤدي مهمته، ثم تمكين الثوار من بناء الدولة بعد إغراقها بالديون المتأتية عن نفقات الحرب وإلزامهم بدفع فاتورتها ( تقول الاندبندنت البريطانية ان ليبيا تكلف بريطانيا يوميا 3 ملايين جنيه) ستدفع ليبيا كما دفع ولا زال يدفع العراق ثمن حروب صدام لان الدول ليست جمعيات خيرية. فكل طلعة جوية حتى من غير قصف، او قذيفة او رحلة إبحار او...او... تسجل كلفتها وستستوفى من الخزينة الليبية نقداً، كما وسيكون تعويض المهمة كلها وضع اليد على البلاد. (كلفة الطلعة الواحدة 50 الف دولار بالحسابات الغربية)

ويبقى موضوع اليمن الذي تتنازعه الحالات الثلاث، مع ترجيح لان يكون ثالث دولة في الحالة الاولى، دون ان نسقط احتمال التقسيم الذي يسعى اليه البعض في الداخل والخارج.
الشعوب انتصرت عندما فاجأت اميركا، فهل تعود اميركا وتستعيد المواقع؟ الجواب ليس سهلاً لان الامر رهن بالوعي الشعبي دون مراهنة على النظام الرسمي العربي الذي في معظمه اثبت خيانة لحقوق الاوطان وتبعية لأميركا وقدرة على حراسة مصالحها.

 

عودة الى الصفحة الرئيسية