تطوّر قطاع البناء في لبنان رهن الأزمات المحيطة !!...


مادونا سمعان - السفير
تطوّر قطاع البناء في لبنان رهن الأزمات المحيطة !!

لم تكن «ورشة» البناء التي انطلقت في قلب سن الفيل وما زالت هيكلاً لمجموعة شقق لأصحاب الدخل المتوسط الوحيدة المنتصبة من دون عمال في ضواحي العاصمة أو في العاصمة نفسها. فقد ضربها الركود، مثلها مثل الشقق الفخمة. والأسباب لا تعود إلى أزمة مادية بل إلى قلّة اليد العاملة.

فقد خسر لبنان مؤخرا حوالى أربعين في المئة من يده العاملة في قطاع البناء كما يروي

رئيس جمعية تجار الأبنية إيلي صوما، بسبب الأحداث التي تدور في المحيط الإقليمي، لا سيما في سوريا التي يُستقدم منها النسبة الأكبر من تلك العمالة، كما في مصر.
وأتت أزمة العمالة، لتفاقم من أزمة القطاع التي يعانيها جراء تراجع الطلب على الشقق الفخمة، التي يزيد سعرها عن الأربعمئة ألف دولار. وتحوّلت إلى حالة ترقّب، بحسب صوما «علماً أن ما بدأ بناؤه لا يمكن التوقف عنه والا مُني صاحب المشروع بخسارة كبيرة». وهي أزمة ظهرت بعد هدوء عاصفة الأزمة الاقتصادية العالمية وانحسار تهافت المغتربين على الشراء في وطنهم والاستثمار فيه، ما جعل الأسعار «تعود إلى طبيعتها» كما يضيف، على اعتبار أن الطلب الكثيف حوّل أسعارها إلى خيالية في فترة الأزمة العالمية.

وإذا كان التراجع عن بعض الأرباح يحلّ جزءاً من مشكلة تجار الشقق الفخمة، فإن مشكلة الشقق المتوسطة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشاكل الإقليمية والأوضاع الداخلية للبلدان المصدرة لتلك العمالة. واللافت أن لبنان بحاجة إلى ما يتراوح بين 25 ألف و30 ألف شقة لذوي الدخل المتوسط سنوياً، يعتبر صوما أنها يجب أن تؤمن وإلا وقع الشباب اللبناني بأزمة سكن.

يتضح من خلال جولة على ورش البناء في بيروت وضواحيها، كما في منطقة المتن أن تلك الأزمة كادت أن تتربص باللبنانيين لولا عودة خجولة لجزء قليل من اليد العاملة من سوريا، واتكال أصحاب تلك الورش على اليد العاملة المصرية بشكل أكبر من السابق كما على يد عاملة أفريقية وآسيوية غالبيتها من الهند. لكنّها بدائل تترتب عليها نتائج سلبية أولاها «خسارة الكفاءة» بحسب سجعان مخلوف، وهو المشرف على ورشة بناء في بصاليم.

ويروي مخلوف أنه مع انطلاق الأزمة في سوريا اضطر عدد من العمال إلى ترك العمل للاطمئنان إلى حال عائلاتهم في قراهم وبلداتهم، «حينها قالوا إنهم سيعودون في غضون أيام قليلة، لكنّ منهم من تغيّب لأكثر من أسبوع».

في تلك الفترة حاول المشرف الاستعاضة عن عماله السوريين بآخرين مصريين أو آسيويين، «لكن الآخرين ليسوا بالكفاءة نفسها، على الأقل قبل تدريبهم على الأسلوب الذي يعتمده المهندس المنفذ للورشة أو صاحب الورشة». كان من الصعب التوقف التام عن العمل لالتزام صاحب الورشة بعقود مع الشارين، ترتب عليه بنوداً جزائية في حال التأخير عن التسليم.

قد لا تصلح فكرة الاستعاضة عن «فريق العمل» كما يسميه المهندس وجيه مطر، خصوصاً في مراحل محدّدة من عملية البناء، كالتأسيس وتنفيذ «الورقة» ووضع البلاط كما أشغال «السنكرية» و»الكهرباء» لأنها أمور جوهرية. من هنا توقفت الورشة التي يشرف عليها المهندس لحوالى ثلاثة أسابيع بانتظار عودة «معلم الورقة» و»البلاط» السوريين، وقد أنذراه بالعودة إلى سوريا في حال تفاقم الأزمة أو شعورهما بالخطر على عائلتيهما.

علماً أن من استعاض عن عماله بآخرين، تكبّد مصاريف باهظة نسبة إلى نوع العمل الذي كان يقوم به عمّاله «لأننا صرنا نبحث عن عامل «بالفتيل والسراج» كما يقول المثل اللبناني لاستكمال الأشغال» وفق يوسف برق، الذي دفع ما يقارب المئتي دولار لثلاثة عمال لنقل البلاط، فقط، إلى طوابق ورشته. وهو فقد اثني عشر عاملاً دفعة واحدة.
يتفق المشرفون على الورش أنهم يطبقون المثل القائل «من الموجود جود» حتى الساعة، الا أنهم يترقبون الأوضاع في سوريا عن كثب مراهنين على حاجة السوريين إلى العمل في لبنان «مهما كانت الأوضاع في بلادهم» بحسب برق.

بينما يشير مطر إلى أنهم «ضرورة للحفاظ على مستوى معيّن من جودة البناء، لكنهم ليسوا «أوكسيجين» الورش حتماً»، وهو أيضاً من المراهنين على أن العمل في لبنان «حاجة ضرورية لهم، وإذا كان كذلك في أيام السلم فكيف الحال إذاً في أيام الأزمات؟»

تلك الأزمة قد تجد لها حلاً في حال توجه اللبناني إلى تلك الأعمال، بحسب صوما، منتقداً رفض البعض العمل في البناء مفضلين البقاء عاطلين من العمل. وهو يؤكد أن قطاع البناء يستوعب كلل المهارات، قاصداً مختلف الجنسيات، في ردّ على أسباب عدم توجه أصحاب الورش إلى اليد العاملة الفلسطينية. فيقول « نحن نلجأ إلى شريحة كبيرة من العمال، لكنّنا لا نهتم بالجنسية بقدر ما نهتم بالكفاءة، التي تبقى أولاً وأخيراً هي المعيار».

حتى الساعة «سنبقى رهن الأحداث التي تحيط بنا» يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة، مؤكداً أن «الاستعاضة عن اليد العاملة السورية أو غير السورية في البناء وتحويلها إلى اللبناني لا بدّ وأن يؤدي إلى رفع أسعار الشقق، وهو أمر لا يمكن أن يتحمّله لبنان». وذلك على أساس أن عمل اللبناني في قطاع البناء سيتطلب معاشات أعلى وضمانات صحية واجتماعية.

كما يعتبر أن ساعة الحقيقة قد دقت «وها نحن نجد أنفسنا أمام عمار وأبنية كثيرة مقابل طلب خفيف، لا بدّ وان ينعكس انخفاضاً على أسعار الشقق في نهاية المطاف».
ويحذّر من أن قطاع البناء من أكثر القطاعات تأثيراً على الميزان الاقتصادي، مستشهداً بالمثل الفرنسي الذي يقول «إذا كان قطاع البناء بخير فكل شيء بخير». على أساس أنه نقطة التقاء لعديد من التجارات والصناعات والمهارات بدءاً من الحديد والخشب مروراً بالبلاط والمعدات... وصولاً إلى أصحاب المهارات من «بلاط» و»طراش»....
 

عودة الى الصفحة الرئيسية