"بلد المَيْ عطشان"... الحقّ على مين؟

"ما في مَيْ" والصّهاريج "رايحة جاية". هذه المُشكلة تُلازم لبنان وتتزايد من عامٍ إلى آخر من دون أن تستثني منطقة واحدة، وسط تحذيرات من أنّ البلد يقف على حافة تحوّلٍ مناخي وبيئي خطير يُنذر بمستقبلٍ مائي وزراعي قاتم مع غياب السياسات الفاعلة والتخطيط المستدام.
وفيما يكثر التحدّث عن ندرة المياه، يُشدّد الباحث في علوم الجيولوجيا سمير زعاطيطي على عدم دقّة هذه العبارة. ويُفسّر في حديثٍ لموقع mtv أنّ لبنان مليء بالمياه ولكن سوء الإدارة أدّى إلى الكارثة الوطنيّة بقطع المياه، وليس نقصها"، مؤكّداً أنّ المياه موجودة ومخزّنة منذ آلاف السنين داخل جبالنا ولكننا لا نستثمرها، وهناك 3 مليار متر مكعب لا يسمحون بالوصول إليها في كلّ المناطق.
ويُضيف: "الإحتباس الحراري زاد من تبخّر المياه ولكن هذا لا يعني أنّ الكميات باتت نادرة في البلد، فالمياه السائلة التي يُمكن أن نستعملها مرتبطة بحسن إدارتها والتّعامل بشفافية ووضوح"، لافتاً إلى وجوب التوقّف عن اعتماد السياسة المائيّة القديمة أي سياسة السدود، والانتقال إلى سياسة أخرى أثبتت فعاليّتها في الجنوب وهي المياه الجوفيّة، فصيدا والنبطيّة وقرى الجنوب كلّها يشرب ناسها من المياه الجوفيّة.
هذا الحلّ الوحيد الذي يُمكن أن يُنقذ المشكلة التي نعيشها، "ففي كلّ بلدة يجب أن يُنشأ بئر يؤمّن المياه للأهالي عندما تقطعها الدولة"، وفق زعاطيطي، مقترحاً خصخصة هذا القطاع وتأمين المياه من خارج الإدارات الرسميّة، مثل باريس حيث يشتري المواطن المياه من شركات تتنافس على تقديم أفضل الخدمات والأسعار.
كذلك، يُسلّط زعاطيطي الضّوء على مُعاناة الناس من شحّ المياه بسبب "مافيات الصهاريج الذين يؤمّنون مياهاً مصدرها مجهول وقد لا تكون نظيفة في بعض الأحيان، هذا بالإضافة إلى مافيات المولّدات التي تلعب دوراً مهمًّا في هذا الإطار".
من هنا، يتوجّب على الدّولة أن تلتفت إلى السّنوات الشحيحة بشكلٍ مسبق لأخذ تدابير وقائيّة والاستعداد بخطط شفافة وفعّالة لتجنّب شحّ المياه، وفق ما يقول زعاطيطي. ويُتابع: "حَطّوا كلّ المصاري بالسّدود ونهبوا يلّي نهبوه.. سياسة السّدود تُفيدهم لذلك لا يُمكنهم التخلّي عنها والاتّجاه نحو الحلول المُفيدة على المدى الطّويل مثل الاعتماد على المياه الجوفيّة، وطالما المافيا الحاكمة موجودة، لن يتحسّن الوضع المائي ولا الكهربائي".
مياهنا الجوفيّة متجدّدة، يؤكّد الباحث، فهي متحركة سنويًّا وتتسرّب في المرتفعات الجبليّة وتجري نحو البحر. أمّا العرقلة فتكمن في غياب القرار السياسي الذي يقول "أمِّنوا المياه النّظيفة الآن لكلّ المناطق"، مجدّداً مطالبته بـ"الرجوع إلى الثروة الطبيعيّة الأساسيّة وهي المخازن الجوفيّة، خصوصاً بعدما أظهرت تجربة الجنوب نجاحاً في هذا الأمر".
وعن المشاريع التي يُمكن للدولة أن تقوم بها لمواجهة مشكلة المياه، يُشير زعاطيطي إلى إمكان الاستعانة بدول أوروبيّة متطوّرة لوضع خطط مدروسة وعلميّة وتحسين سوء الإدارة المُستشري للثروة المائيّة منذ الاستقلال. فالمسؤولون لدينا لا يعملون إلا على المياه السطحيّة من شبكات وخزانات وبرك اصطناعيّة وسدود، في حين أنّ باريس وروما وفيننا ومعظم العواصم الأوروبيّة تعتمد على المياه الجوفيّة.
مع تراجع مستويات المياه السطحيّة وتأثيرات تغيّر المناخ، تتّجه الأنظار إلى المياه الجوفيّة كمصدرٍ حيوي في ظلّ التحديات المتزايدة لتأمين حاجات الشّرب والزراعة والصناعة وكلّ القطاعات الأخرى. كم سننتظر بعد لنشهد "ثورة مائيّة" ونتوقّف عن تسوّل المياه في بلادنا؟