تحديات تنتظر القضاء في العام الجديد… و”العسكرية” أكثر إنتاجية
مع بداية عام جديد، لا يزال ملف تفجير مرفأ بيروت يتصدّر الملفات القضائية، محافظاً على “المرتبة الأولى” بين القضايا العالقة، في وقت تبرز ملفات أخرى تضع القضاء برمّته أمام تحديات كبرى وتشكل امتحاناً للعدالة، ولعل أبرزها ملفات الفساد والتحويلات المالية إلى الخارج.
وتُعدّ السنة الجديدة فرصة لتحقيق إصلاحات جذرية في معالجة القضايا المتراكمة من سنة إلى أخرى، وتأمين استقلالية القضاء فعلياً عن التدخلات السياسية، خصوصاً أن القضاء يقف عند عتبة جديدة مع إقرار مجلس القضاء الأعلى التشكيلات والمناقلات، التي وضعت القضاة أمام مسؤولياتهم، وأخضعتهم لمراقبة صارمة بهدف تبنّي نهج إصلاحي لمواجهة الفساد واستعادة حقوق المواطنين.
وفيما يتطلع معظم اللبنانيين إلى ما سيؤول إليه التحقيق في ملف تفجير مرفأ بيروت مع بداية هذا العام، تكشف مصادر قضائية، بعد “الخيبة” التي مُني بها التحقيق نتيجة رفض بلغاريا تسليم صاحب “باخرة روسوس” الروسي إيغور غريتشوشكن، أن المحقق العدلي القاضي طارق البيطار ينتظر صدور قرار قاضي التحقيق حبيب رزق الله في ملف اغتصاب السلطة وإبرامه، ليصار بعدها إلى استدعاء جميع المدعى عليهم مجدداً، والذين يصل عددهم إلى نحو سبعين، قبل أن يعلن ختم تحقيقاته وإحالتها إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها. وتعتبر المصادر أن هذا المسار سيستغرق ما لا يقل عن ثلاثة أشهر قبل صدور القرار الاتهامي.
في المقابل، تبرز ملفات الفساد والتحويلات المالية التي تحركت مع تسلّم القاضي ماهر شعيتو مهامه في النيابة العامة المالية، حيث اتخذ قراراً جريئاً بإلزام أصحاب المصارف إعادة الأموال التي حُوّلت إلى الخارج، وادعى في عدد من الملفات المتعلقة بجرائم اختلاس أموال الدولة. وفي هذا الإطار، شهدت الملفات ملاحقة وزيرين سابقين هما أمين سلام وجورج بوشكيان، حيث أُخلي سبيل الأول بعد ستة أشهر على توقيفه، فيما لم يمثل الثاني أمام القضاء حتى الآن، ولا تزال قضيته تراوح مكانها في مرحلة تقديم مذكرات الدفوع الشكلية.
وفي الوقت الذي بات فيه الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة حراً بعد دفعه أعلى كفالة مالية في تاريخ القضاء اللبناني مقابل إخلاء سبيله، والتي بلغت 14 مليون دولار، فإنه مدعوّ للمثول مجدداً أمام القضاء في “ملف فوري” خلال جلسة حُدّدت في نهاية شهر كانون الثاني. وكان هذا الملف قد شهد دعاوى مخاصمة بين القضاة أنفسهم وبين سلامة، وهيئات قضائية عُيّنت للبت بقرار تركه في هذا الملف، ما عطّل السير به.
كما شهدت نهاية العام إخلاء سبيل هنيبعل القذافي بعد توقيفه عشر سنوات من دون محاكمة، بتهمة إخفاء معلومات في قضية إخفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه.
وتشهد بداية العام محاكمة الفنان فضل شاكر أمام محكمة الجنايات في بيروت، حيث سيواجه للمرة الأولى الشيخ أحمد الأسير، بعد “افتراق” الرجلين منذ أحداث عبرا عام 2013، وذلك قبل أن يسلّم شاكر نفسه بعد فرار دام 12 عاماً.
ومع اكتمال المجلس العدلي، استؤنفت المحاكمات في ستة ملفات محالة أمامه، من بينها ملفات تتعلق بالتفجيرات التي استهدفت الضاحية الجنوبية بين عامي 2014 و2015، وقد تقرر تسريعها خلال العام الجديد عبر تحديد جلسات مكثفة، خصوصاً أن المتهمين فيها موقوفون منذ عشر سنوات.
وإذا كان عمل المحاكم العدلية بطيئاً ويؤدي في معظم الأحيان إلى إبقاء موقوفين لفترات طويلة من دون محاكمة، ما يفاقم الاكتظاظ في السجون، فإن عمل المحكمة العسكرية يُعد أكثر إنتاجية في البت بالملفات. فقد شهدت، مع تسلّم العميد وسيم فياض رئاسة المحكمة العسكرية منذ مطلع سنة 2025، إنجاز 10376 ملفاً، بينها 826 ملفاً جنائياً، مسجلة بذلك رقماً قياسياً في عدد الملفات التي بُتّ بها.
وبلغ رصيد الملفات في بداية العام الحالي 13399 ملفاً، موزعة على النحو الآتي: 10101 ملف وارد إلى المحكمة، و10376 ملفاً خارجاً منها، بينها 826 ملفاً منجزاً يتعلق بجرائم جنائية، فيما ورد 588 ملفاً جنائياً جديداً.
كما بلغ مجموع الجنح الواردة إلى المحكمة 9513، في حين بلغ مجموع الجنح الخارجة منها 9550 ملفاً.
وتنظر المحكمة العسكرية في ملفات لا تقل حساسية عن تلك المعروضة أمام القضاء العدلي، إذ تبدأ مع مطلع العام النظر في ملفي الفنان فضل شاكر ونوح زعيتر، وتستمر في محاكمة المتهمين بجرائم التعامل مع إسرائيل والإرهاب، فضلاً عن ملفات تتصل بالفساد، ولا سيما تلك المتعلقة برشوة مسؤولين في الأسلاك العسكرية