خلاف المصارف الكبيرة والصغيرة إلى العلن والسبب… قانون الفجوة!
يبدو أن قانون الفجوة المالية سيكون “القشة” التي تقصم ظهر العلاقة بين المصارف الكبيرة والصغيرة، وتُبرز التوتر وانعدام الثقة بين الطرفين إلى العلن، بعد محاولات إخفائها طوال سنوات الأزمة تحت شعار أن المصلحة المشتركة تقتضي أن تظهر المصارف بصورة موحّدة ومتماسكة، أمام خطر قانون الفجوة المالية والتسويات التي ستحصل على ضفافه.
الأسبوع الماضي، وجّه عدد من المصارف (12 مصرفاً صغيراً غير راضٍ على أداء جمعية المصارف) بياناً طالبوها فيه “بدعوة الهيئة العامة لجمعية المصارف في لبنان إلى الانعقاد فوراً، بما يتيح لجميع المصارف الأعضاء المشاركة في مناقشة مشروع قانون الفجوة المالية وتداعياته، وبلورة موقف جماعي واضح ومسؤول يحفظ حقوق المودعين ويصون الاستقرار المالي”.
وأكدوا “تمسكهم بالمبادئ الأساسية التي قام عليها النظام الاقتصادي اللبناني، وفي مقدّمها حماية الملكية الخاصة، وصون الاقتصاد الحر، واحترام موجبات التعاقد، ولا سيّما التزام الدولة، بصفتها الحامي الأول للدستور والقوانين، والمؤسسات العامة والخاصة كافة، وعلى رأسها مصرف لبنان بصفته الجهة الناظمة للقطاع المالي، بمسؤولياتها القانونية والتعاقدية، إضافة إلى المسؤولية الائتمانية للمصارف تجاه مودعيها كأساس للعمل المصرفي السليم، وهي مبادئ دستورية وقانونية جوهرية أسهمت، منذ نشوء الدولة، في ترسيخ الثقة بالاقتصاد الوطني عموماً وبالقطاع المالي خصوصاً”.
وأعربت المصارف في البيان “عن بالغ قلقها حيال ما تضمّنته النسخة المتاحة لنا من مشروع قانون الفجوة المالية من أحكام من شأنها المساس بهذه المبادئ التأسيسية، ومحاولة واضحة من الدولة اللبنانية للتنصّل من مسؤولياتها القانونية والتزاماتها المالية، الأمر الذي قد يُلحق إجحافاً جسيماً بحقوق المودعين، كباراً وصغاراً، الذين يشكّلون الركيزة الأساسية لاستمرارية القطاع المصرفي”.
قبل قراءة أبعاد هذا البيان الصادر، لا بد من التذكير بأسباب الخلاف بين المصارف الكبيرة والصغيرة، وهي ثلاثة.
الأول، الخلاف حول “تصفير رساميل أصحاب المصارف (رؤساء مجالس الإدارة والمساهمين الرئيسيين) وتحميلهم جزءاً من الخسائر”، وهذا ما لا تقبله المصارف الكبرى معتبرة أنها تملك الملاءة والسيولة التي تُبقيها في السوق بعد إقرار قانوني الفجوة وهيكلة المصارف، في حين أن المصارف المتعثّرة (لا سيّما الصغيرة) لا تُبدي اهتماماً في مساندة المصارف الكبيرة، في حال لم تُقدّم لها ضمانات بأنها ستبقى في السوق ضمن التسوية التي تسعى لترتيبها المصارف الكبيرة مع الطبقة السياسية ومجلس النواب.
السبب الثاني يتعلق بسندات اليوروبوندز، إذ إن هناك العديد من المصارف الصغرى لا تحمل سندات اليوروبوندز وليست مدينة لحملة الأسهم، وتعتبر نفسها غير معنية بتحمّل وِزر الهندسات المالية التي قامت بها المصارف الكبرى مع مصرف لبنان والطبقة السياسية.
أما السبب الثالث، فهو خوف المصارف الصغيرة من أن يتم بيعها للمصارف الكبيرة كما حصل مع بنك عودة–سرادار وفرنسبنك وBLC.
قراءة ما بين سطور البيان تُظهر أن المصارف الصغيرة دخلت مرحلة الخوف على وجودها بعد إقرار قانون الفجوة، ولذلك أطلقت صرخة دفاعية أكثر مما هو إعلان مبادئ، لأن المصارف الصغيرة تدرك أن أي مشروع لمعالجة الفجوة المالية بطريقة سريعة أو سياسية كما يحصل الآن يمكن أن يطيح بها بالكامل، بينما المصارف الكبيرة لديها القدرة على الاستمرار وعلى امتصاص أي صدمة أو إعادة هيكلة.
وبالتالي، تتمسّك المصارف الصغيرة بحماية الملكية الخاصة واحترام العقود، ليس فقط انطلاقاً من قناعة اقتصادية، بل من الخوف على وجودها، لأن أي مساس بالودائع أو فرض خسائر قسرية يمكن أن يؤدي عملياً إلى إفلاسها، وليس إلى إعادة هيكلتها بشكل منظّم.
وبحسب مصدر متابع لـ”ليبانون ديبايت”، فإن “بيان المصارف الـ12 يحاول رفع الكلفة القانونية والسياسية لأي حل يتجاوزها أو يضعها في موضع الضحية الأسهل. بالمقابل، فإن تحميل الدولة ومصرف لبنان المسؤولية يبدو محاولة واضحة لفصل ذاتها عن النموذج المالي الذي انهار، فالمصارف الصغيرة تقول إنّها لم تكن صانعة سياسات نقدية، ولم تكن مهندسة استدانة عامة، ولا كانت صاحبة نفوذ في القرارات الكبرى”.
وشدّد المصدر على أن “هذه الأزمة لا يمكن تجزئتها بين مصارف كبيرة وصغيرة، لذلك كان المطلوب من الحكومة أن تضع خطة توزّع الخسائر بشكل عادل وبناءً على أرقام واضحة وشفافة، وليس مجرد نصوص. اليوم هناك قانون الفجوة المالية الذي تم تحويله إلى مجلس النواب، لكنه يبقى دون قيمة لأنه وُضع في الاتجاه المعاكس، إذ كان من المفترض تحديد حجم الفجوة قبل وضع القانون، ثم تقييم المصارف وتوزيع الخسائر بشكل عادل”.
ويختم: “قانون الفجوة سيبقى حبراً على ورق، ومجلس النواب المقبل على انتخابات نيابية جديدة لن يُقرّ هذا القانون”.