اللغة العربية مكرّمة بأحد أعلامها من ثانوية السفير ولقاء المنارة الثقافي بمحاضرة لمصطفى سبيتي : 'أَلفيّةُ ابن مالك: صرفٌ ونحوٌ وأخلاق'
احتفاءً باللغة العربية وتقديرًا لجمالها البنيوي والأخلاقي، استضافت "ثانوية السفير" و" لقاء المنارة الثّقافي" الشاعر الأستاذ مصطفى سبيتي في محاضرة بعنوان " أَلفيّةُ ابن مالك : صرفٌ ونحوٌ وأخلاق " ، في قراءة تجمع رحابة القواعد وعمق المعاني وسموّ القيم، حيث يلتقي أداء اللسان بجوهر الوجدان ، ويغدو الصرف خُلقًا رافعًا والنحو مسارًا بانيًا، وذلك في حرم ثانوية السفير في الغازية بحضور نخبة من الوجوه الأكاديميّة والأدبية والثقافية والتربوية.
روماني
افتتاحًا بالنشيد الوطني ، ثم كان تقديم من الأستاذة جوانا روماني ، أشارت فيه إلى مناسبة هذه المحاضرة وهي الاحتفاء باللغة العربية وتكريمًا لها، ولتسليط الضّوء على علمٍ من أعلامها " عرفنا من مسيرته أنّ العلمَ يرفع، والإخلاص فيه يرقّي، والاستثمار الخيّر للعلم المصحوب بالإخلاص يهدي". وقالت: " ابن مالك مثالٌ للعالم الّذي يجمع دقّة الصّناعة النّحويّة وسموّ الرّوح، فجاءت أَلفيّتُه كسنابلَ مثقلةٍ بالحبوب؛ تحمل الخيرَ وتوزّع العطاء، وتبقى آثارها ممتدّةً في الأجيال، كما يبقى الزّرع بعد أن يورق ويثمر".
بعد ذلك جرى عرض فيديو يحكي سيرة الإمام ابن مالك "صاحب الألفيّة " جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، وأحد أعلام النّحو في القرن السّابع الهجري، والذي نظمَ في أَلفيته قواعدَ الصّرف والنّحو، جمعَ فيها أصولَ العلم، وقرّبه لطالبه، فحُفظَتْ وشُرِحَتْ، وانتشرَتْ في المشرق والمغرب، ولا تزالُ تُدرّسُ إلى اليوم ، إلى جانب مؤلّفاته الأخرى في النّحو واللّغة، وبقي اسمُه مقرونًا بالعربية.
ناصر الدين
وألقى كلمة ثانوية السّفير مديرها الدكتور سلطان ناصر الدين ، فرحب بالمحاضر الأستاذ سبيتي والحضور وقال: " تكلّمت العرب فسارت اللّغة على طبيعتها ، ثمّ جاءت القاعدة من أصل اللّغة. اللّغة أصل ، والقواعد فرع . اللّغة أسبق من القاعدة كالينبوع أسبق من القارورة ، وكالرّيح أسبق من الأشرعة. القاعدة شاهدة لا عالمة، وراوية لا مبتدِعة، وميزان يؤخذ به الوزن لا معدن يُصاغ به الكلام" .
وأضاف: " لقد سبقت اللّغةُ القاعدة ، ثمّ جاءت القاعدة من رحم اللّغة ، تُنظّم ولا تُقيّد ، تُهذّب ولا تُجمّد، تُحفّز ولا تُحبط . وإذا لم تؤدِّ القاعدة وظيفتها تنظيمًا وتهذيبًا وتحفيزًا فالعلّة في الأسلوب لا في القواعد ولا في اللّغة الّتي أنجبت القواعد . في "ألفيّة ابن مالك" عبقريّة اللّغة العربيّة، حيث أصابت من الدّقة ما به يُستقام المعنى. هنا يلتقي العلم بالشّعر، والضّبط بالسّجيّة، والقاعدة بأختها الحرّيّة. هنا يتكامل الصّرف والنّحو والأخلاق، الصّرف لصوغ الألفاظ، والنّحو لهندسة المعنى، والأخلاق تقيم للكَلِم المقصد السّامي" .
غدار
كلمة " لقاء المنارة الثّقافي"، ألقتها الأستاذة هيلانا غدار ، فرأت أن هذا التلاقي بينه وبين ثانوية السفير يكرّس وحدة الرؤية في صون لغتنا الأم وفي بناء جيل يتجذّرُ في موروثه الحضاريّ. وقالت: " نَقفُ اليومَ في رحابِ قامةٍ تاريخيةٍ فذّة، الامامِ ابنِ المالك، صاحب الألفية التي لم تكن مجرد متن للنحو والصرف، بل هي ميثاق جامع صاغ للشخصية العربية منطقها، وللحرف هيبته، وللسلوك تهذيبه. ولذا نستضيف اليوم قامة تنفّست القواعد فكرًا، وجمعت دقة المنهج وسحر المعاني، الباحث الأستاذ مصطفى سبيتي الشاعر الذي لم يكتفِ بنظم الشعر، بل جعل قصائده حقولاً معرفية، من "براعم على حطب الخليل" و"سَبَل القوافي"، مرورًا بـ"أرَج الروي"، وصولاً إلى تمرّد الحداثة في "وداعًا عروض". وفي محراب التحقيق، أعاد للضاد هيبتها وهو يغوص في أعماق شرح ديوان المتنبي، ويستخرج درر المستطرف في كل فنّ مستظرف".
وأضافت: " ولأن قلمه مسكونٌ بوجع الإنسان، عبَر إلى عالم الرواية، ليحكيَ عن طفران وارلي وخيبات شيوعيّ، وأحلام نازحة، باحثًا في النقد الأدبي عن المبهج والمخيب في غزل أبي الطيب، ومفككًا في السياسة جذور الميكافيلية في كليلة ودِمنة. يطل علينا بما يكتنزه من مخزون ثقافيّ زاخر، ليثبت أن الحرف موقفٌ، والكلمة أمانة".
سبيتي
وتحدث المحاضر الأستاذ مصطفى سبيتي ، فشكر بداية ثانوية السفير ولقاء المنارة الثقافي على مبادرتهما لتنظيم هذا اللقاء، تحيّةً وتكريمًا لأعلام لغتنا ومبدعيهم الثقات من خلال ابن مالك. وقال: " نحن في أجواء اليوم العالمي للغة العربية ، وهذا اليوم ينهرنا من أجل الاهتمام بلغتنا، ليس ليوم واحد كما يحدث عادة بالثقافة الجماعية عندنا، إنما في كل الأيام وعلى الدوام وفي كل الأعوام، يعني أن تكون اللغة هاجسًا لثقافتنا الشعبية أيضًا وليس فقط لثقافة النخبة". ورأى أن " الاحتفال باللغة العربية يكون من خلال تكريم العظماء من أعلامها ، منذ تنقيط اللغة وتحريكها مع أبي الأسود الدؤلي ، إلى ضبط إيقاعها وترميمها وجوازاتها عن طريق الفراهيدي والأخفش وغيرهما ، ووضع قواعد صرفها ونحوها بواسطة سيبويه والفارسي والكسائي وابن معطي وابن مالك وابن عقيل وغيرهم ، ووضع قواعد علوم اللغة في حقبات ومراحل مختلفة ومع كبار علمائها ".
وتطرق سبيتي الى أخلاقيات علماء اللغة من خلال أخلاقيات ابن مالك ، ومنها " التواضع، إنكار الذات، الإيثار، الثقة بما يقولون، تقديم علومهم لإفادة الأمة، الاعتراف بفضل من سبقهم والبناء على إبداعاته"، لافتًا إلى أن الغاية من جهودهم كانت تقتصر على رضى الله والحفاظ على القرآن الكريم .
وبعد تعريف بصاحب الألفية ابن مالك وما تركه من بصمات مضيئة في تاريخ اللغة العربية ، قدّم سبيتي عرضًا عن الباب الأول من الألفية مع شواهد عديدة منها مستعينًا ببعض أبياتها .
حوار وتكريم
بعد ذلك دار حوار ونقاش بين سبيتي والحضور حول موضوع المحاضرة والتحديات التي تواجهها اللغة العربية في عصرنا هذا ، وأهمية الإضاءة على ما تحمله من قيم ورقي وأخلاق وإبداع .
وفي الختام، كرّمت ثانوية السفير ولقاء المنارة الثقافي الأستاذ سبيتي حيث قدمت له كل من مساعدة مدير الثانوية السيدة سوسن عنيسي وممثلة اللقاء السيدة هيلانا غدار هدية تذكارية .