اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

معمل دير عمار متوقف عن العمل: الكهرباء من سيّئ الى أسوأ... أين الهيئة الناظمة؟

صيدا اون لاين

مع تكرار الانهيارات في شبكة الكهرباء، وتعطل الإنتاج، وتعذر إطلاق أي مسار إصلاحي فعلي، يرتفع منسوب القلق السياسي من أن يتحول هذا الملف إلى واحدة من أولى النكسات الكبرى للعهد والحكومة، ما يفسر تنامي الحديث عن احتمال وضعه تحت إشراف مباشر من الرئاستين الأولى والثالثة.

 

ميدانيا، لا جديد يذكر سوى تكرار المشهد عينه منذ سنوات. معمل دير عمار خرج عن الخدمة منذ أكثر من 48 ساعة، وسيبقى كذلك إلى ما بعد الأربعاء المقبل، بسبب عدم قدرة الباخرة على تفريغ حمولتها نتيجة الأحوال الجوية. هذا الواقع، الذي بات شبه اعتيادي، يعكس هشاشة منظومة الإنتاج واعتمادها على حلول ظرفية مرتبطة بالشحن والطقس، من دون أي بنية احتياطية أو إدارة مخاطر قادرة على امتصاص الصدمات.
غير أن الأخطر من الأعطال التقنية، يتمثل في الشلل الذي يضرب الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، والتي يفترض أن تكون حجر الزاوية في أي إصلاح. فبحسب معلومات متقاطعة، لم يتسلم رئيس الهيئة المعين محمد الجمل مهامه حتى الآن، وهو يبدي رفضه لهذا التعيين، فيما يتواجد أحد الأعضاء خارج البلاد، ما يمنع اكتمال النصاب القانوني والعملي لانطلاق عمل الهيئة. ويضاف إلى ذلك معطى بالغ الدلالة: موازنة عام 2026 خلت تماما من أي اعتمادات مخصصة للهيئة، ما يجعلها كيانا شكليا بلا موارد ولا قدرة تشغيلية أو إدارية.
أمام هذا الواقع، تتكاثر علامات الاستفهام حول دقة الحديث المتداول عن "إجماعات" داخل الهيئة أو عن إعداد خطط تنظيمية وإصلاحية لقطاع الكهرباء. فكيف يمكن لهيئة غير مكتملة، بلا رئيس متسلم لمهامه وبلا موازنة، أن تنتج سياسات أو قرارات أو مسارات إصلاحية قابلة للتنفيذ؟ هذا التناقض يفرغ الخطاب الإصلاحي من مضمونه، ويعيد إنتاج حلقة الوعود غير القابلة للتحقق.

 

 

على المستوى النيابي، يبرز ضغط متصاعد يعكس فقدان الثقة بالتجارب السابقة. فقد طلبت لجنة المال والموازنة في مجلس النواب من وزارة الطاقة تقديم خطط واضحة ومفصلة، مرفقة بجداول زمنية محددة، تبين مراحل التنفيذ ومصادر التمويل والنتائج المتوقعة. وبحسب متابعين، لا يمكن فصل هذا الطلب عن الشكوك العميقة بقدرة أي خطة جديدة على الالتزام بالمواعيد أو تحقيق النتائج، في ظل سجل طويل من الخطط التي بقيت حبرا على ورق.

 

ويتزامن هذا الضغط السياسي والمؤسساتي مع واقع ميداني بالغ الخطورة. فالشبكة الكهربائية انهارت مجددا، ليرتفع عدد الانهيارات إلى أكثر من خمس مرات خلال أقل من عشرين يوما. هذا التكرار السريع لم يعد يصنف كأعطال تقنية ظرفية، بل بات مؤشرا صارخا على هشاشة منظومة الإنتاج والنقل والتوزيع، وعلى تراكم سنوات من الإهمال وغياب الصيانة والاستثمار والقرار الإداري الحاسم.

 

ضمن هذا المشهد القاتم، يرى خبراء ومتابعون في شؤون الطاقة أن طرح فكرة وضع ملف الكهرباء تحت إشراف مباشر من أعلى المستويات الدستورية يعكس حجم القلق السياسي من تداعياته، لا سيما في ظل غياب هيئة ناظمة فاعلة، واستمرار الانهيارات، وتزايد الضغوط النيابية. لكن هذا الطرح، وإن عكس إحساسا بخطورة المرحلة، يطرح في المقابل سؤالا جوهريا: هل يشكل تدخل الرئاستين حلا انتقاليا لاحتواء الانهيار، أم اعترافا ضمنيا بفشل المنظومة المؤسساتية التي أنشئت أصلا لضمان الحوكمة والاستدامة؟
يقف ملف الكهرباء اليوم عند مفترق بالغ الحساسية. فإما أن يتحول إلى اختبار مبكر للعهد والحكومة في القدرة على فرض قرارات جذرية وإعادة بناء الإدارة، وإما أن يستمر كعنوان إضافي لانهيار الثقة بالدولة، مع ما يحمله ذلك من كلفة اجتماعية واقتصادية وسياسية لا تقل خطورة عن العتمة نفسها.

تم نسخ الرابط