حين ينتصر الصوت الصادق: الفنّ الأصيل لا يُهزَم مهما طال الغياب - بقلم: خليل ابراهيم المتبولي
في زمنٍ تتبدّل فيه الوجوه سريعًا، وتتغيّر الأذواق تحت ضغط الضجيج والتسارع، يبقى الفنّ الحقيقي أشبه بنهرٍ عتيق؛ قد تُحجَب مياهه حينًا، وقد تُقام على ضفّتيه السدود، غير أنّه لا يجفّ، ولا ينسى مجراه، ولا يفقد قدرته على الوصول. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى فوز الفنان فضل شاكر في Joy Awards بوصفه حدثًا عابرًا أو تكريمًا تقليديًا، بل هو لحظة دالّة تختصر معنى الأصالة، وتعيد الاعتبار للفنّ الذي يولد من القلب ويعود إليه.
فضل شاكر ليس مجرّد صوتٍ جميلٍ مرّ في ذاكرة الأغنية العربيّة، بل حالة فنيّة وإنسانيّة تركت أثرًا عميقًا في وجدان الناس. صوته لم يكن يومًا صناعة استوديو باردة، ولا نتيجة حملة ترويجيّة صاخبة، بل كان صوتًا صادقًا، مشبعًا بالإحساس، قادرًا على ملامسة مناطق خفيّة في الروح. لذلك، حين غاب، لم يغب حضوره، وحين صمت، ظلّ صداه يتردّد في القلوب؛ فالفنّ الأصيل لا يُقاس بزمن الظهور، بل بعمق الأثر.
إنّ عودة فضل شاكر من بوّابة التكريم، لا من باب الضجيج أو الاستعراض، تؤكّد حقيقةً طالما حاول البعض إنكارها، وهي أنّ الفنّ الحقيقي لا يُلغى، ولا يُمحى، ولا تُسقطه الحملات، ولا الأحكام المسبقة، ولا محاولات التشويه. قد يُحاصَر، وقد يُقصى عن المنصّات، لكنّه يبقى حيًّا في ذاكرة الناس؛ لأنّ الناس، في نهاية المطاف، لا تنحاز إلّا لما يشبهها، ويشبه صدقها.
وفي هذا السياق، لم تكن Joy Awards مجرّد جائزة تُمنح لفنّان، بل جاءت بمثابة اعترافٍ جماهيريّ ضمنيّ بأنّ الذائقة لا تزال بخير، وأنّ الجمهور العربيّ، مهما تغيّرت الظروف، لا يزال قادرًا على التمييز بين الصوت المصنوع والصوت الحقيقي، وبين الفنّ العابر والفنّ الذي يعمّر. لقد جاء هذا الفوز ليقول، بوضوحٍ لا لبس فيه: إنّ الصوت الصادق، حين يخرج من القلب، لا تعيقه المسافات، ولا تكسره العزلة، ولا تخنقه القيود.
فالصوت القويّ لا يعني القدرة التقنيّة فحسب، بل يعني القدرة على الاختراق: اختراق الزمن، واختراق الحواجز النفسيّة، واختراق محاولات الطمس والتهميش. وهذا تمامًا ما فعله فضل شاكر، وما يفعله كلّ فنّان آمن بأنّ الفنّ رسالة إحساس قبل أن يكون مهنة. لقد عبر صوته كلّ القيود؛ لأنّه لم يكن صوتًا مستعارًا، بل امتدادًا لتجربة إنسانيّة صادقة، بحلوها ومرّها، بانكساراتها ونهوضها.
إنّ الفنّ الأصيل لا يموت؛ لأنّ جذوره عميقة. قد تُكسَر أغصانه، وقد يُبعَد عن الضوء، لكنّه يظلّ قادرًا على الإزهار متى لامسه الاعتراف الصادق. وفوز فضل شاكر دليلٌ على أنّ الزمن، مهما طال، ينحاز في النهاية للحقيقة، وأنّ القلوب لا تخون ما أحبّته بصدق.
وفي هذه العودة، رسالة تتجاوز شخص الفنّان، لتطال كلّ مبدعٍ حقيقيّ ظُلِم، أو أُقصي، أو حُورِب؛ مفادها أنّ الصدق لا يخسر، وإن تأخّر انتصاره، وأنّ الفنّ الذي يولد من القلب سيجد طريقه إلى القلوب، ولو بعد حين. فالتاريخ الفنّي لا يُكتب بالضجيج، بل بالبقاء، ولا يُخلَّد فيه إلّا من قال ما شعر به الناس، وغنّى ما عجزوا عن قوله.
وهكذا، يقف فضل شاكر اليوم شاهدًا حيًّا على أنّ الفنّ الصادق يدوم، وأنّ الصوت الحقيقي لا يُهزَم، وأنّ ما يخرج من القلب… لا بدّ أن يصل.