مصطفى سعد.. الرجل الذي حمى المقاومة بعينيه المطفأتين - بقلم جمال الغربي
بعد واحدٍ وأربعين عاماً، ما زال دويّ الانفجار الذي استهدف رمز المقاومة الوطنية اللبنانية، مصطفى معروف سعد، في مدينة صيدا، يتردّد في الذاكرة الوطنية، لا كحدثٍ عابر، بل كعلامةٍ فارقة في تاريخ المواجهة مع العدو. كانت واحدة من المحاولات الإسرائيلية التي نُفِّذت بأيدي العملاء، وهم كُثُر في تلك المرحلة، بهدف إطفاء جذوة المقاومة وكسر إرادتها.
غير أنّ الجراح الغائرة، والعينين اللتين أطفأهما التفجير، ودماء ابنته الشهيدة ناتاشا سعد، تحوّلت إلى وقودٍ لمسيرةٍ مقاومة لم تنكسر، مسيرة بدأت مع والده الشهيد معروف سعد على درب فلسطين، واستمرّت أكثر صلابةً وإصراراً.
في ذكرى محاولة اغتيالك، نستعيد الوصية والعِبر؛ كيف أحبطت، رغم الألم، مخططات العدو وعملائه في زرع الفتنة الطائفية في صيدا ومحيطها، وكيف كنت سداً منيعاً في وجه الانقسام، وحارساً للسلم الأهلي، حتى اندحر الاحتلال بفضل سواعد المقاومين. كنت رمزهم، وانتصر خيار المقاومة على خيار العمالة والذل والهوان.
محطاتٌ مضيئة في سيرة هذا الرجل، نحن بأمسّ الحاجة إليها في هذا الزمن الرديء. يومها، وقبل أيامٍ قليلة من محاولة اغتياله، وقف في حسينية بلدة حارة صيدا ليقول كلمته الواضحة: «من أتى خلف الدبابات الإسرائيلية، عليه أن يرحل معها… لا لجيش فئوي، ولا تنخدعوا بالكلام والضمانات عن التركيبة المذهبية للكتيبة العسكرية التي ستنتشر في المدينة بعد انسحاب العدو». كلماتٌ كانت كفيلة بأن تُعجِّل قرار تصفيته.
كثيرة هي المواقف المشرّفة لأبي معروف، ولعلّ علاقته المتينة مع قادة المقاومة الإسلامية شكّلت ركيزة أساسية وبيئةً حاضنة للعمل المقاوم في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بكل أشكاله. علاقاتٌ تُرجمت في محطاتٍ مفصلية، وكان الوفاء يتجدّد عند كل استحقاق.
وتعود الذاكرة إلى العام 1992، حين زار مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين بعد فوزه في الانتخابات النيابية، ليقول عبارته الخالدة: «سأحمي الشعب الفلسطيني بما تبقّى من رموش في عيوني».
كم نحن بحاجة إليك اليوم، أيها الرمز، في زمنٍ تتكالب فيه مشاريع الفتنة القذرة على مقاومتنا من الداخل والخارج. فخيار المقاومة الذي عمّدته بالدم والتضحيات، سيبقى أمانةً في أعناقنا، حتى الرمق الأخير.