اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

حين تروي 'جدران مراكز الإيواء الباردة' قصص 'النزوح البائسة'!

صيدا اون لاين

في غرفةٍ باردة تحت الأرض داخل مركز إيواء في ثانوية المربية ثريا فارس ابو علفا  الرسمية للبنات  (مرجان)  في صيدا، تحاول رجاء عبدالله أن ترتب فراشًا متواضعًا لابنتيها المقعدتين من ذوي الاحتياجات الخاصة .. تنحني بصعوبة، ترفع جسديهما برفق، وتساعدهما على الاستلقاء بعدما كانت قد  أنهكتهما رحلة نزوح استمرت يومًا كاملًا.

رجاء، التي لجأت مع عائلتها المؤلفة من ستة أشخاص، تتقاسم هذه الغرفة الضيقة مع عائلات أخرى.. هنا، بين الجدران الإسمنتية الباردة، تحاول أن تصنع لابنتيها مساحة أمان صغيرة في مكان يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

هذه ليست المرة الأولى التي تتذوق فيها رجاء مرارة النزوح  فقد نزحت سابقًا من بلدة مروحين إلى قرى قضاء صور، قبل أن تتابع رحلتها القاسية نحو صيدا.

رحلة مضاعفة المشقة والتعب ، ليس فقط بسبب الطريق الطويل، بل لأن عليها أن تحمل عبء ابنتيها اللتين لا تدركان أصلاً ما يجري حولهما، وتحتاجان إلى رعاية صحية دائمة وأدوية وحفاضات ومستلزمات طبية.

حين تُسأل عن رحلتها، تبدو متماسكة على نحوٍ يثير الألم أكثر مما يثير الإعجاب كأنها اعتادت تجرّع المر..تقول رجاء  بصوتٍ هادئ: “لم يعد يهمني شيء… اعتدت على الهم والحزن. كل ما يشغلني ابنتاي كما ترين، هما مقعدتان ومن ذوي الاحتياجات الخاصة  وتحتاجان إلى أدوية ومستلزمات لا نملكها”.

تتنهد قليلًا، ثم تضيف: “فقدت أفرادًا من عائلتي في مجزرة مروحين .. وكأن قدرنا أن نضحي بأغلى ما نملك، وأن ننتقل من نزوح إلى نزوح، من دون أن نعرف ماذا ينتظرنا بعد”.

قصة رجاء ليست سوى واحدة من آلاف القصص التي تختبئ خلف أبواب مراكز الإيواء في صيدا.

ففي المدينة اليوم 24 مركز إيواء، امتلأت بما يفوق قدرتها الاستيعابية في اكتظاظ بشري ينذر بأزمة إنسانية حقيقية فالغرفة الواحدة التي صُممت لتكون صفًا دراسيًا أو قاعة صغيرة، تحولت إلى مأوى لعشرات الأشخاص، حيث يتجاوز عدد المقيمين أحيانًا عشرين شخصًا في الغرفة الواحدة.

نساء وأطفال وكبار في السن يتقاسمون المساحة نفسها، بلا خصوصية تُذكر، وبظروف إنسانية قاسية.

الحمامات القليلة في هذه المراكز تُستخدم من قبل عشرات العائلات، ما يثير مخاوف متزايدة من مشكلات صحية محتملة، خصوصًا في ظل غياب التجهيزات الكافية.

ومع حلول فصل الشتاء وشهر رمضان، تتضاعف قسوة الحياة داخل هذه الجدران.

برد الليل ..رطوبة الغرف ..قلة الفرش والبطانيات وضيق المساحات، كلها تجعل من تفاصيل الحياة اليومية معركة صغيرة يخوضها النازحون كل يوم.

في غرفة أخرى من أحد المراكز، تجلس سيدة عجوز مقعدة على فرشة  بسيطة بالكاد تتسع لجسدها المتعب.

حولها تتوزع عائلات عدة: أطفال ينامون على الأرض، نساء يحاولن ترتيب أمتعة قليلة، ورجال يجلسون بصمت طويل. هذه السيدة التي تحتاج إلى رعاية صحية مستمرة تجد نفسها اليوم تتقاسم غرفة مكتظة مع أكثر من ١٥ شخصًا، في مكان لا يملك  الحد الأدنى من مقومات العيش .

تقول إحدى السيدات اللواتي يساعدنها: “هي بحاجة إلى متابعة صحية دائمة، لكنها اليوم تعيش في غرفة مزدحمة بالكاد نستطيع التحرك فيها”.

وبحسب تحديثات غرفة إدارة مخاطر الكوارث والأزمات في بلدية صيدا، فإن أكثر من 12 ألف نازح يتوزعون حاليًا على مراكز الإيواء في المدينة.

ويقول منسق عام تيار المستقبل في صيدا والجنوب مازن حشيشو، والمسؤول عن عدد من مراكز الإيواء بينها مدرسة مرجان ودار اليتيم العربي:

“واقع النزوح في صيدا صعب جدًا. المدينة تستقبل أعدادًا أكبر مقارنة بالحرب الماضية، وهناك حالات إنسانية صعبة جدًا، من ذوي احتياجات خاصة وكبار سن يعانون أمراضًا مزمنة وخطيرة”.

ويضيف: “المراكز في الأصل مدارس ومعاهد، وليست مجهزة لاستقبال هذا العدد الكبير من الناس. لكننا نبذل أقصى ما نستطيع بالتعاون مع محافظة الجنوب وبلدية صيدا لتأمين المستلزمات الأساسية من فرش وبطانيات وطعام ومواد تنظيف”.

ويشير حشيشو إلى أن وتيرة المساعدات كانت ضعيفة في بداية الحرب، قبل أن تبدأ الجمعيات والمنظمات بالتحرك تدريجيًا، لكنها تبقى متواضعة مقارنة بحجم الاحتياجات.

ويتابع: “هناك مشاكل يومية تحصل بسبب الاكتظاظ والضغوط النفسية التي يعيشها النازحون بعد تركهم بيوتهم قسرًا. نحاول حل هذه المشاكل قدر الإمكان والتخفيف عن الناس، وكلنا أمل أن تنتهي الحرب سريعًا ويعود الجميع إلى قراهم”.

لكن خلف هذه الأرقام، تبقى الحقيقة الأشد قسوة أن جدران مراكز الإيواء في صيدا لا تحتضن مجرد نازحين، بل حكايات لأناسٍ اعتادوا الألم.

أناس يعيشون الحرب للمرة الثانية، يتركون بيوتهم وذكرياتهم وبلداتهم وضيعهم ، ليجدوا أنفسهم مجددًا بين جدران باردة، ينتظرون نهاية حرب لا يعرفون متى تنتهي.

وكأن قدر اللبناني  أن يعيش  دائمًا أسطورة طائر الفينيق الذي ينهض من الرماد ..لكن السؤال الذي يتردد دائما  :لماذا علينا أن نحترق في كل مرة كي ننهض من جديد؟ وكل ما نطلبه هو أن نعيش فقط بسلام !!

IMG-20260311-WA0108
IMG-20260311-WA0109
IMG-20260311-WA0104
IMG-20260311-WA0105
IMG-20260311-WA0110
IMG-20260311-WA0107
تم نسخ الرابط