اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

التضخم المستورد: مقاربة سوسيو - اقتصادية لارتفاع أسعار المحروقات في لبنان

صيدا اون لاين

يشهد الاقتصاد اللبناني وضعًا اقتصاديًا يُعرف بتضخم الكلفة (Cost-Push Inflation)، حيث لم تعد موجات ارتفاع الأسعار مرتبطة بعوامل الطلب الاستهلاكي التقليدي، بل باتت ناتجة بصورة أساسية عن اختلالات بنيوية في جانب العرض أي في جانب تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها الطاقة والمحروقات.

لم تعد أزمة المحروقات مجرّد مسألة سعرية ظرفية، بل تحوّلت إلى عنصر ضاغط يعيد تشكيل بنية الكلفة في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل اعتماد كامل على الاستيراد في تأمين المحروقات ومشتقات الطاقة يؤدي هذا الارتهان إلى نشوء حلقة تضخمية متسارعة، تتداخل فيها كلفة التشغيل، وكلفة النقل، وكلفة الإنتاج، وتآكل القدرة الشرائية، بما ينعكس مباشرة على الأسر والعمال والمؤسسات والقطاعات الخدماتية والإنتاجية على حد سواء.


القفزات السعرية لأسعار الطاقة

تُظهر الأرقام (جدول رقم 1) الفروقات بين معدلات ارتفاع البنزين والمازوت والغاز، بحيث أن الأزمة لم تعد محصورة في التكاليف الفردية والعائلية، بل امتدت إلى قلب الدورة الإنتاجية، وإلى الخدمات الأساسية المرتبطة بالطاقة المنزلية والتشغيل الصناعي.

 

 

كلفة التنقل

يُعدّ البنزين المؤشر الأكثر ارتباطًا بالحركة اليومية للعمال والموظفين ووسائل النقل الفردية وشبه الجماعية. وقد سجّل بنزين 95 أوكتان ارتفاعًا تراكميًا وهو ما يترجم مباشرة إلى زيادة ملموسة في كلفة الوصول إلى العمل والإنتاج والخدمات. وكذلك ارتفع سعر بنزين 98 أوكتان بنسبة إجمالية بلغت 30.5 % خلال أقل من شهر، وهو ما يحمل دلالات تتجاوز الاستهلاك الفردي، إذ يؤدي هذا الارتفاع إلى تمرير الكلفة إلى أسعار السلع والخدمات، بما يعني أن أثره لا يقتصر على مالكي المركبات، بل يمتد إلى المستهلك النهائي عبر زيادة كلفة النقل والتوزيع والتوريد، وهو ما يرفع بدوره أسعار السلع الأساسية والاستهلاكية في السوق.

تعرفة السرفيس: النقل البري

ترتبط تعرفة السرفيس في لبنان بصورة شبه مباشرة بسعر صفيحة البنزين 95 أوكتان، بما يجعلها من أول المؤشرات الذي يعكس أثر ارتفاع المحروقات على الحياة اليومية. التعرفة السابقة كانت تتراوح، رسميًا وعمليًا، بين 100,000 و200,000 ليرة لبنانية للرحلة القصيرة. أما التعرفة المتوقعة مع وصول سعر الصفيحة إلى 2,364,000 ليرة لبنانية، فتشير التقديرات إلى أن التعرفة التي تضمن الحد الأدنى من الاستمرارية التشغيلية للسائقين باتت تتراوح بين 300,000 و400,000 ليرة لبنانية بحسب المسافة، وذلك لتغطية كلفة الوقود والصيانة والتشغيل.

سجلت قارورة الغاز ارتفاعًا إجماليًا، وبالتالي ومن منظور اجتماعي، فإن هذا الارتفاع لا يُقاس فقط بزيادته النقدية، بل بما يفرضه من إعادة ترتيب قسرية لأولويات الإنفاق الأسري، حيث تبدأ كلفة الطاقة بترتيب بنود أخرى أساسية في أولويات الإنفاق مثل: الغذاء، والتعليم، والرعاية الصحية، بما يعمّق من مؤشرات الهشاشة المعيشية والفقر الطاقوي.

بالنسبة للأسر التي تعتمد على المازوت للتدفئة أو لسيارات الديزل، فقد ارتفعت بنسبة كبيرة، وهي من أكثر الزيادات وطأة على الإنفاق الأسري خلال هذا الشهر. يمثل المازوت العنصر الأكثر حساسية في البنية الاقتصادية اللبنانية الراهنة، نظراً إلى دوره المركزي في تشغيل المولدات الكهربائية، والآلات الصناعية، وسلاسل التبريد، ووسائل التدفئة، والأنشطة الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة. ولا يقتصر أثر هذه الزيادة على ارتفاع الإنفاق المباشر، بل يمتد إلى القدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية، إذ يؤدي ارتفاع كلفة الطاقة إلى تقليص هوامش الربحية، ويدفع بعض المؤسسات إلى رفع الأسعار أو خفض الإنتاج أو الانسحاب من السوق.

أزمة المولّدات الكهربائية

تكشف الأرقام أن فاتورة الاشتراك في المولدات الخاصة لم تعد بندًا ثانويًا في ميزانية الأسرة اللبنانية، بل أصبحت أحد أبرز عناصر استنزاف الدخل المتاح. فالكلفة النهائية المتوقعة للفاتورة سترتفع، وهذا يعكس حجم الضغط الذي يفرضه تضخم المازوت على الإنفاق الشهري للأسر. ويمثل هذا القطاع الحالة الأكثر وضوحًا لانتقال التضخم من السوق العالمية إلى الحياة اليومية، نظرًا إلى أن المازوت هو المدخل الرئيسي لتوليد الكهرباء البديلة في لبنان، والمشكلة الأساسية هنا أنه في ظل غياب رقابة الدولة والمحاسبة، تتفلّت المولدات الخاصة من الالتزام بالتسعيرة الرسمية، وتتحكّم في فاتورة المولد، وبالتالي سترتفع الفاتورة بنسبة تتراوح بين 30 و50 %، وقد تتخطّاها.

الارتفاع المباشر في كلفة طاقة الإنتاج الصناعي

تُعدّ الطاقة من أبرز عناصر الكلفة في القطاع الصناعي اللبناني، لا سيّما في ظل الاعتماد الواسع على المولدات الخاصة لتأمين التشغيل اليومي في المصانع وورش الإنتاج.

القطاعات الحيوية والأمن الاجتماعي

من المتوقع ألّا تبقى آثار هذه الزيادات محصورة في كلفة التنقل أو الطاقة المنزلية أو كلفة التشغيل الصناعي، بل أن تنسحب بصورة تدريجية على القطاعات الحيوية المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية والخدمات الأساسية.

لا تعبّر هذه الزيادات فقط عن انتقال تضخم الطاقة إلى السوق، بل تكشف عن اتساع أثره ليطال البنية المعيشية والخدماتية للأسر، بما يضغط بصورة متزايدة على القدرة الشرائية ويعيد ترتيب أولويات الإنفاق الاجتماعي.
توصيات عملية قابلة للتنفيذ

1. إطلاق دعم نقل موجّه بدل الدعم الشامل: يمكن اعتماد بدل نقل مرن وموقت للعمال والموظفين وذوي الدخل المحدود، يُربط مباشرة بارتفاع أسعار المحروقات، بما يخفف العبء اليومي على التنقل ويحد من تآكل الأجور.

2. تنظيم النقل المشترك المحلي داخل المدن: يمكن للبلديات واتحاداتها تنظيم خطوط نقل محلية صغيرة ومنخفضة الكلفة عبر الفانات أو الباصات المشتركة، خصوصًا في المناطق المكتظة، لتخفيف الاعتماد على السيارات الخاصة والسرفيس الفردي.

3. تخفيف كلفة الكهرباء عبر الطاقة الشمسية الصغيرة: بدل انتظار الحلول الوطنية الكبرى، يمكن تشجيع الأنظمة الشمسية المنزلية والمؤسساتية الصغيرة للأسر، والمدارس، والبلديات، والورش الصغيرة، من خلال قروض ميسّرة أو مبادرات جماعية محلية.

4. ضبط فاتورة المولدات الخاصة بشفافية أكبر: من الضروري فرض إعلان واضح وموحد لتعرفة المولدات، وربطها فعليًا بسعر المازوت وساعات التغذية، للحد من الفوضى والتفاوت الكبير في الفواتير بين منطقة وأخرى.

5. دعم القطاعات الأكثر تأثرًا بالطاقة: يُفترض إعطاء أولوية تخفيفية للقطاعات الأساسية مثل: الأفران، المستشفيات، المدارس، الزراعة، وسلاسل التبريد الغذائي، لأنها تمسّ مباشرة الأمن الغذائي والاجتماعي والصحي.

6. تشجيع الإنتاج المحلي وتقليل كلفة النقل: كلما زادت المسافة بين المنتج والمستهلك، زادت كلفة التضخم. لذلك من المفيد دعم الأسواق المحلية المباشرة، وتشجيع البيع من المنتج إلى المستهلك، وتسهيل شبكات التوزيع القصيرة داخل المناطق.

7. نشر ثقافة الترشيد الطاقوي داخل الأسر والمؤسسات: يمكن تحقيق وفر فعلي عبر إجراءات بسيطة مثل:

• تقليل استخدام الأجهزة العالية الاستهلاك.

• اعتماد الإنارة الموفرة.

• تنظيم ساعات تشغيل السخانات والمكيفات.

• تحسين عزل المنازل والمتاجر.

وهي حلول صغيرة لكنها ذات أثر تراكمي مهم.

8. حماية الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي: في ظل الانهيار، لا يكفي ضبط الأسعار فقط، بل يجب حماية قدرة الناس على الاستمرار، عبر برامج مساعدة نقدية أو عينية محدودة ولكن منتظمة للفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا في ما يتعلق بالنقل والطاقة والغذاء.

إن أزمة المحروقات في لبنان لم تعد مجرد أزمة سعر، بل أصبحت أزمة معيشة وإنتاج واستقرار اجتماعي. لذلك، فإن مواجهة التضخم المستورد لا تتم عبر سياسات وحلول نظرية، بل من حلول واقعية، وسريعة التنفيذ تخفف الكلفة على الناس، وتحمي ما تبقى من قدرة المجتمع على الصمود. وفي ظل استمرار الانهيار، قد لا تكون الحلول المثالية متاحة، لكن الحلول البسيطة والعملية أصبحت ضرورة وليست خيارًا

تم نسخ الرابط