المفاوضات العسكرية واقفة عند مطلب وحيد...هل يصل الاسرائيلي الى محيط صيدا؟
في وقت تتواصل فيه المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية في واشنطن، تتسارع التطورات الميدانية على أرض الجنوب اللبناني بوتيرة تنذر بمزيد من التصعيد. فبينما يسعى الجانب اللبناني إلى تثبيت وقف لإطلاق النار ووقف التدهور الأمني، تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية وتوسيع نطاق انتشارها في عدد من المناطق الجنوبية، وسط معارك متواصلة وقصف مكثف وحركة نزوح متزايدة.
قال الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة في حديث إلى ليبانون ديبايت إن المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية حالياً في واشنطن دخلت مرحلتها الأولى عبر المسار العسكري، مشيراً إلى أن الجلسة الأولى التي انعقدت بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي بحضور الجانب الأميركي استمرت قرابة ساعة ونصف إلى ساعتين، وتركزت على وضع أسس العمل وتبادل المواقف الأولية في إطار تقني وعسكري.
وأوضح حمادة أن السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض شاركت في الجلسة الافتتاحية وجلسة التعارف وإطلاق المباحثات، قبل أن تنسحب لاحقاً نظراً إلى أن النقاشات اللاحقة تتناول ملفات تقنية وعسكرية ولا تتضمن اتخاذ قرارات سياسية مباشرة.
وأكد أن الأولوية اللبنانية في هذه المفاوضات تتمثل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، لافتاً إلى أن الدولة اللبنانية تعتبر أن أي تقدم في الملفات الأخرى يبقى مرتبطاً بوقف العمليات العسكرية المستمرة، لأن استمرار القتال يجعل من الصعب الانتقال إلى أي مرحلة سياسية أو تنفيذية جديدة.
وأشار إلى أن الجلسة الحالية ليست سوى بداية لمسار تفاوضي قد يمتد إلى عدة اجتماعات، موضحاً أن ما يجري اليوم يندرج في إطار النقاشات التقنية والعسكرية، فيما من المتوقع أن تُستكمل المباحثات ذات الطابع السياسي خلال الاجتماعات المقررة مطلع الأسبوع المقبل في وزارة الخارجية الأميركية، بعد انعقاد الاجتماع الحالي في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).
وعن التطورات الميدانية، قال حمادة إن إسرائيل أعلنت رسمياً سيطرتها على قلعة الشقيف، مشيراً إلى أن المؤشرات الميدانية كانت تدل على ذلك منذ ساعات، إذ كانت القوات الإسرائيلية وآلياتها تتمركز في محيط المنطقة منذ اليوم السابق. وأضاف أن الاشتباكات التي سُجلت صباحاً قد تكون مرتبطة ببقاء مجموعات مقاتلة أو جيوب مقاومة في المنطقة قبل أن تنتهي المعركة عملياً لصالح القوات الإسرائيلية.
ولفت إلى أن بلدة دبين سقطت أيضاً خلال الساعات الماضية، معتبراً أن أهمية هذه البلدة لا تقل عن أهمية الشقيف من الناحية العسكرية، لأنها تشكل مدخلاً أساسياً نحو قلب محافظة النبطية من الجهة الشرقية عبر محور الخردلة – النبطية، وهو محور حيوي يفتح الطريق أمام عدة اتجاهات تؤدي إلى المدينة.
ورأى حمادة أن النبطية بدأت تشعر بشكل مباشر بثقل اقتراب العمليات العسكرية منها، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية باتت متمركزة في زوطر وتتقدم في محيطها، فيما تدور مواجهات على مقربة من النبطية الفوقا، التي وصفها بأنها تشكل إحدى البوابات المباشرة المؤدية إلى المدينة.
وأضاف: "أن القصف الإسرائيلي على النبطية يتخذ طابعاً منهجياً وتدميرياً، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة النطاق، مؤكداً أن المدينة تكاد تكون خالية من سكانها، وأن فرق الإسعاف والدفاع المدني اضطرت إلى مغادرة أجزاء واسعة من المنطقة نتيجة شدة العمليات العسكرية".
وشدد حمادة على أن النبطية لا تمثل مجرد مركز إداري أو مدينة جنوبية عادية، بل تشكل القلب التاريخي والثقافي والرمزي لمنطقة جبل عامل، موضحاً أن أي محاولة لإسقاطها تحمل أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، نظراً إلى ما تمثله من ثقل اجتماعي وثقافي وديني ووطني في الوجدان الجنوبي واللبناني عموماً.
وأشار إلى أن عدداً من المثقفين ووجهاء المدينة بدأوا برفع الصوت دفاعاً عن النبطية وعن الإرث التاريخي والثقافي الذي تمثله، في وقت تتزايد فيه المخاوف على المواقع الأثرية والمعالم التاريخية في الجنوب اللبناني.
وفي هذا السياق، لفت إلى وجود دعوات متزايدة لحماية المواقع التراثية والأثرية، سواء في الشقيف أو تبنين أو صور وغيرها من المناطق التي تضم معالم مصنفة أو ذات قيمة تاريخية عالمية، مشيراً إلى أن وزير الثقافة غسان سلامة كان من بين الذين نبهوا إلى خطورة تعرض هذه المواقع للأضرار في ظل استمرار العمليات العسكرية.
كما تحدث حمادة عن مخاوف من توسع العمليات العسكرية باتجاه الساحل الجنوبي ومحيط صيدا، مشيراً إلى أن بعض التقديرات تتحدث عن إمكانية سعي القوات الإسرائيلية للوصول إلى محاور استراتيجية تؤدي إلى أوتوستراد صيدا – الجنوب إذا استمرت المعارك الحالية بالوتيرة نفسها.
وفي موازاة ذلك، أشار إلى أن الضغوط العسكرية تتزايد أيضاً على منطقة البقاع الغربي وخط القرعون والقرى المحيطة به، موضحاً أن هذه المناطق تشكل ممرات مهمة للحركة والإمداد بين البقاع والجنوب، ما يجعلها مرشحة لمزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة.
وعن أداء حزب الله ميدانياً، أوضح حمادة أن الحزب يواصل تنفيذ عمليات عسكرية تشمل إطلاق صواريخ موجهة وطائرات مسيرة انقضاضية ضد القوات الإسرائيلية، إلا أنه اعتبر أن هذه العمليات لم تنجح حتى الآن في وقف التقدم الإسرائيلي على عدد من المحاور.
وتوقف حمادة عند ما وصفه بأهمية رصد تحركات جرافات D9 الإسرائيلية، معتبراً أن ظهورها في منطقة معينة يشكل مؤشراً واضحاً إلى أن القوات الإسرائيلية أصبحت داخلها أو أحكمت سيطرتها عليها. وأوضح أن هذه الجرافات المصفحة لا تتقدم عادة في مقدمة القوات المقاتلة، بل تدخل بعد تثبيت السيطرة العسكرية، حيث تتولى فتح الطرق وإزالة العوائق وتدمير التحصينات وتغيير معالم الأرض.
وفي الشق السياسي الأوسع، أشار حمادة إلى استمرار الترقب لما ستؤول إليه الاتصالات الأميركية – الإيرانية، معتبراً أن الصورة لا تزال غير واضحة في ما إذا كانت الساحة اللبنانية ستكون جزءاً من أي تفاهمات محتملة بين الطرفين.
كما لفت إلى التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي شددت على استمرار ملاحقة عناصر وقيادات حزب الله أينما وجدوا، مشيراً إلى أن مسؤولين إسرائيليين تحدثوا عن عدم وجود حصانة لأي هدف يعتبر مرتبطاً بالحزب، سواء في الجنوب أو البقاع أو حتى في بيروت، وفق الرؤية الإسرائيلية.
ورأى حمادة أن إسرائيل باتت تتصرف انطلاقاً من قناعة مفادها أن الدولة اللبنانية غير قادرة بمفردها على معالجة ملف سلاح حزب الله أو فرض ترتيبات جديدة بالقوة، ولذلك تسعى من خلال عملياتها العسكرية إلى إضعاف البنية العسكرية للحزب إلى أقصى حد ممكن، مع بقاء نتائج هذه المقاربة مرتبطة بمسار المعارك والتطورات السياسية المقبلة.
وختم حمادة بالتأكيد أن ما يشهده الجنوب اللبناني اليوم يعد من أخطر وأقسى المراحل التي مرت بها المنطقة في تاريخها الحديث، معتبراً أن حجم الدمار والنزوح والتغيرات الميدانية الجارية سيفرض تداعيات عميقة وطويلة الأمد على الجنوب وعلى لبنان ككل، وأن آثار هذه الحرب لن تقتصر على السنوات القليلة المقبلة بل قد تمتد لعقود