التّحذيرات الإسرائيليّة ليسَت صدفة... والأرقام مُقلقة!
"أيّها اللبنانيّون، أخلوا منازلكم". لا يمرّ يومٌ من دون إنذارٍ من أفيخاي أدرعي، أو تصريحٍ من وزير إسرائيليّ أو إعلانٍ عن توسيع الهجمات العسكريّة في الجنوب. نخاف ونتخبّط: نهرب؟ نطمئنّ على أحبّائنا؟ أم نترك مصيرنا لله؟
ماذا لو قلتُ لكُم إنّ هذه الإنذارات أبعد من مجرّد تحذيرات عشوائيّة؟ وإنّها جزءٌ من حربٍ نفسيّة مُحكَمة، تُدار بذكاء لاستنزافنا وتفريقنا، بصمت؟ وللأسف، يبدو أنّ الإسرائيليّين نجحوا، ولو جزئيًّا.
وحتّى الغارة الأخيرة على الضاحية الجنوبيّة، لم تُكن سوى ضربة لخلقٍ جوٍّ من الهلع والضّغط على اللبنانيّين. وأكبرُ دليلٍ على ذلك أنّ الغارة الأخيرة لم تكُن، كما وصفها الإعلام الإسرائيليّ، "صيدًا ثمينًا"، بل كانت ضربة خرقت اتّفاق وقف النّار، ولم تُثِر سوى الخوف...
في هذا السّياق، يشرح رئيس جمعيّة الأطبّاء النفسيّين في لبنان الدّكتور جورج كرم، في حديثٍ خاصّ إلى موقع mtv، أنّ "الإنذارات والشائعات تُعدّ من أبرز أدوات الحرب النفسيّة التي تستخدمها الدول أو الجهات المعادية لإلحاق الأذى النفسيّ بالطرف الآخر، والهدف الأساسيّ منها خلق التوتّر والخوف والذعر داخل المجتمع المستهدف"، مشدّدًا على أنّ "الجهة التي تنجح في استنزاف معنويّات المجتمع المقابل تكون قد حقّقت جزءًا أساسيًّا من أهدافها".
ويُحذّر كرم من أنّ "المجتمعات المنقسمة تكون أكثر عرضة للتأثّر بالحرب النفسيّة، لأنّها تُفاقم الانقسامات الداخليّة بين الناس"، موضحًا أنّه "حين تكون المواجهات محصورة في الجنوب، قد يعتبر البعض أنّ الأمر لا يعنيه مباشرة، لكن عندما تصل التهديدات إلى مختلف المناطق اللبنانيّة، تتبدّل ردود الفعل، ويبدأ تبادل الاتّهامات والنقمة داخل المجتمع نفسه".
ويشدّد على أنّ "أصوات المسيّرات وخرق جدار الصوت ليست مجرّد أحداث عابرة، بل رسائل نفسيّة مباشرة تقول للبنانيّين: نحن هنا، نراقبكم، ويمكننا الوصول إليكم"، معتبرًا أنّ "الإنذار بحدّ ذاته، حتّى من دون قصف، قد يتحوّل إلى أداة ضغط نفسيّ فعّالة".
كما يوضح أنّ "الأذى النفسيّ قد يكون، في بعض الأحيان، أخطر وأطول أثرًا من الأذى الجسديّ، لأنّ الخوف المزمن واليأس قد يؤدّيان مع الوقت إلى اضطرابات نفسيّة، كالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)". ويلفت إلى أنّه "ما أن بدأ اللبنانيّون باستعادة جزء من حياتهم الطبيعيّة والحديث عن "صيف جميل"، حتى عادت التهديدات الإسرائيليّة، سواء عبر تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو مواقف الوزراء ووسائل الإعلام الإسرائيليّة، بهدف إبقاء اللبنانيّين في حالة خوف دائم وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار".
ويكشف عن أنّ "إحدى الجمعيّات المعنيّة بالصحّة النفسيّة أظهرت أنّ 63% من اللبنانيّين يعانون اليوم من اضطرابات نفسيّة، مقارنةً بـ25% فقط قبل عام 2019، فيما ارتفعت نسبة الاكتئاب والقلق إلى 47%، بعدما كانت سابقًا نحو 12% للاكتئاب و18% للقلق"، مؤكّدًا أنّ "هذه الأرقام مُقلقة وتعكس مدى تأثير الحرب النفسيّة على المجتمع اللبناني".
يضيف أنّ "ما يعتقده البعض صمودًا مطلقًا، قد يكون في الواقع آليّة دفاع نفسيّ، إذ يحاول الدماغ، تحت ضغط الأزمات المتكرّرة، حماية الإنسان عبر نوع من التبلّد أو الانفصال العاطفيّ عن الأحداث، كي يتمكّن من الاستمرار في حياته اليوميّة".
لا شكّ أنّ إسرائيل نجحت، إلى حدٍّ كبير، في خلق توتّر داخل المجتمع اللبنانيّ عبر فيديوهات السخرية والتحريض، مستهدفةً النفوس قبل الأراضي. وفي النّهاية، تبقى الحرب النفسيّة لا تقلّ خطورة عن الحرب العسكريّة، لما تتركه من أثرٍ عميق وطويل الأمد، ما يجعل وعي المجتمع بها والتعامل معها بمسؤوليّة ضرورةً أساسيّة للصّمود أمام أيّ تهديد