قوات أميركية - بريطانية إلى الجنوب؟
دخل ملف الجنوب مرحلة جديدة عنوانها سحب مقاتلي "حزب الله" و"الحرس الثوري". وتستمر المفاوضات في واشنطن، وتتناول، إلى جانب الملفات العالقة، آليات دعم الجيش اللبناني لبسط سلطته وحيدًا، وتوفير ضمانات تمنع العودة إلى الواقع الذي كان قائمًا قبل الحرب.
لم يعد النقاش الدولي ينطلق من فرضية العودة إلى ما كان قائمًا قبل 7 تشرين الأول 2023، بل من واقع جديد فرضته التطورات العسكرية والسياسية. لذلك، فإن البحث يتركز على كيفية استكمال عملية بسط سلطة الدولة ومنع إعادة تكوين البنية العسكرية لـ"حزب الله" في الجنوب.
وفي موازاة البحث في شكل القوة الداعمة للجيش، تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث تكشف معلومات "نداء الوطن" أن اجتماعات 22 و23 و24 حزيران ستكون من بين الأكثر أهمية منذ بدء المفاوضات. وتعود أهمية هذه الجلسات إلى أنها تجمع بين المستويين العسكري والدبلوماسي، ما يعني الانتقال من مرحلة تثبيت المبادئ العامة إلى مرحلة البحث في التفاصيل التنفيذية. وبحسب المعلومات، سيحضر الملف الأمني بقوة على طاولة النقاش، ولا سيما ما يتعلق بآليات الانتشار والمراقبة والتنسيق بين الأطراف المعنية. كما ستخوض الاجتماعات، بعمق أكبر، في صيغة "المناطق التجريبية" التي يجري العمل عليها كمرحلة أولى قبل تعميم أي ترتيبات جديدة. وتؤكد مصادر متابعة للمفاوضات أن واشنطن تنظر إلى هذه المناطق كاختبار عملي للمرحلة المقبلة، فيما يعتبرها الجانب اللبناني فرصة لإثبات قدرة الجيش على الإمساك بالأرض بدعم دولي مباشر. لذلك، لا تستبعد المصادر أن تشكل اجتماعات حزيران نقطة تحول في مسار المفاوضات، خصوصًا أنها تأتي في وقت يتقدم فيه البحث من العناوين السياسية إلى الإجراءات الميدانية.
وفي هذا السياق، تشير مصادر دبلوماسية إلى أن صلاحية "اليونيفيل" بصيغتها السابقة انتهت عمليًّا. فالتجربة التي امتدت سنوات طويلة أظهرت أن القوات الدولية لم تتمكن من منع تخزين السلاح أو تفكيك البنية العسكرية لـ"الحزب" جنوب الليطاني. لذلك، فالتجديد للقوة الدولية وفق الآليات نفسها غير وارد دوليًّا، لا سيّما أن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات مختلفة وقدرات أكبر على مواكبة الجيش اللبناني.
وطُرح أكثر من خيار خلال الأشهر الماضية، من بينها تعزيز الحضور الأوروبي العسكري بدلا من "اليونيفيل". إلا أن هذا الطرح اصطدم بعقبات سياسية. فواشنطن لا تبدو راضية عن إدارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للملف اللبناني خلال السنوات الأخيرة، كما أن إسرائيل لا تنظر بارتياح إلى أي دور أوروبي قد يعيد إنتاج التجربة السابقة. من هنا، بدأ البحث عن جهات تحظى بثقة مختلف الأطراف وقادرة على لعب دور ميداني داعم للدولة اللبنانية.
وفي السياق، برز اسم بريطانيا بقوة. وتؤكد معلومات "نداء الوطن" أن لندن عادت إلى واجهة النقاشات المتعلقة بالترتيبات الأمنية في الجنوب. فالبريطانيون يمتلكون تجربة ناجحة مع الجيش اللبناني، بعدما تولوا خلال السنوات الماضية بناء وتجهيز أربعة أفواج حدود برية انتشرت على الحدود الشرقية والشمالية. وقد أثبت هذا التعاون فعاليته في تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وضبط الحدود.
وتعتبر الأوساط المتابعة أن الحضور البريطاني يشكل عامل ثقة للجميع. فهو يحظى بقبول أميركي، ولا يثير الحساسية التي يثيرها الحضور الأوروبي التقليدي، كما أنه يرتكز إلى علاقة عملية قائمة مع الجيش اللبناني، وليس إلى مقاربات سياسية أو دبلوماسية فقط.
أما الدور الأميركي، فهو حاضر أساسًا عبر لجنة "الميكانيزم" التي تشرف على متابعة تنفيذ التفاهمات الأمنية، إضافة إلى التعاون المباشر والمستمر بين واشنطن والجيش اللبناني. وتشير المعلومات إلى أن أي حضور أميركي محتمل لن يكون على شكل قواعد عسكرية أو قوات قتالية، بل ضمن إطار دعم ومواكبة للمؤسسة العسكرية اللبنانية.
وتكشف المعطيات أن إحدى الصيغ التي يجري بحثها تقوم على وجود فرق أميركية وبريطانية في المنطقة الصفراء، بالتنسيق الكامل مع الجيش اللبناني، بهدف المساعدة في تثبيت الاستقرار ومواكبة الانتشار العسكري الشرعي. ويأتي ذلك في إطار السياسة الأميركية القائمة على تعزيز قوة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أن الهدف النهائي ليس إنشاء قوة بديلة عن الجيش اللبناني، بل توفير شبكة دعم تساعده على الإمساك الكامل بالأرض. فالمعركة بالنسبة إلى المجتمع الدولي لم تعد مرتبطة فقط بوقف النار، بل بإنهاء مرحلة السلاح الخارج عن سلطة الدولة وتثبيت واقع جديد عنوانه جيش واحد وقرار أمني واحد على كامل الجنوب