سوريا ترسم حدود دورها الإقليمي... ولبنان أمام اختبار مزدوج
لم تكن الإشارات التي أطلقها الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن لبنان مقصورة بتعليق على تطورات ميدانية أو رداً على نقاش دولي حول دور محتمل لدمشق في المرحلة المقبلة، بل بدت أقرب إلى إعلان مقاربة سورية جديدة تجاه الملف اللبناني، تقوم على إعادة تعريف العلاقة الثنائية خارج الأطر التي حكمتها لعقود، وفي لحظة إقليمية تتبدّل فيها أولويات اللاعبين الدوليين والإقليميين بعد سنوات من الحروب المفتوحة والاستنزاف.
في الشكل، حمل الموقف السوري نفياً واضحاً لفكرة الانخراط العسكري المباشر في لبنان، لكنه في المضمون لم يكن انسحاباً من الاهتمام بالساحة اللبنانية أو تراجعاً عن اعتبارها مساحة حيوية للأمن السوري. على العكس، ظهر أن دمشق تحاول الانتقال من منطق النفوذ الأمني التقليدي إلى منطق التأثير السياسي والاقتصادي والأمني غير المباشر، بما ينسجم مع التحولات التي شهدتها سوريا نفسها بعد سنوات الحرب وإعادة ترتيب أولويات الدولة.
أهمية هذا الكلام لا تنبع فقط من توقيته، بل من السياق الذي جاء فيه. فالحديث الأميركي المتكرر في الأسابيع الأخيرة (الرئيس دونالد ترامب) عن إمكان اضطلاع سوريا بدور ما في لبنان فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت هناك مقاربة دولية جديدة لإدارة الملف اللبناني ضمن شبكة تفاهمات أوسع تشمل أمن الحدود وإعادة الاستقرار ومنع توسع الحرب. من هنا جاء الموقف السوري وكأنه يضع حدوداً لهذا الدور؛ لا قوات ولا حضور عسكري ولا عودة إلى نماذج الماضي، بل مقاربة تقوم على الاقتصاد وإعادة وصل المصالح.
التركيز السوري على فكرة إعادة ربط الشريان الاقتصادي بين البلدين يحمل أبعاداً تتجاوز التجارة التقليدية. فلبنان بالنسبة إلى سوريا ليس فقط منفذاً اقتصادياً، بل جزء من معادلة إعادة بناء المجال الحيوي السوري بعد سنوات من الانقطاع والعقوبات وإعادة رسم طرق التجارة والطاقة والنقل. وفي المقابل، يدرك السوريون أن الاقتصاد اللبناني المنهك يحتاج إلى إعادة إنتاج دوره الطبيعي كبوابة مالية وخدماتية، ولو بشروط مختلفة عن المرحلة السابقة.
لكن البعد الأكثر دقة في كلام الشرع كان الربط بين الحل الاقتصادي والإجراءات الأمنية التي تراعي الهواجس السورية واللبنانية والإسرائيلية معاً. هذه النقطة تعكس تحولاً في الخطاب السوري الرسمي، إذ للمرة الأولى يظهر بهذا الوضوح أن أي تصور سوري للعلاقة مع لبنان لا ينفصل عن البيئة الأمنية الإقليمية وعن متطلبات ضبط الحدود ومنع تحول الجغرافيا اللبنانية إلى مصدر تهديد متبادل. وهذا لا يعني تبنّي المقاربة الإسرائيلية، بل الإقرار بأن أي تسوية مقبلة ستأخذ في الاعتبار توازنات أمنية جديدة تفرضها الوقائع التي أنتجتها الحرب.
وفي جانب آخر، بدا لافتاً حديث الشرع عن امتلاك سوريا أدوات تأثير إيجابي داخل لبنان مع ربط استخدامها بالتوافق اللبناني. هذه العبارة تختصر إدراكاً سورياً لحدود القدرة على التأثير في الداخل اللبناني بعد المتغيرات التي شهدها البلد منذ عام 2005 وحتى اليوم. فدمشق تعرف أن لبنان لم يعد قابلاً للإدارة الخارجية التقليدية، وأن أي دور مستقبلي يحتاج إلى شرعية لبنانية داخلية وإلى تقاطعات إقليمية ودولية لا إلى فرض وقائع من طرف واحد.
أما الإشارة إلى إمكان الحوار مع حزب الله إذا اقتضت مصالح لبنان وسوريا ذلك، فتفتح باباً إضافياً للقراءة. فدمشق هنا لا تعلن اصطفافاً جديداً ولا قطيعة نهائية، بل تترك الباب مفتوحاً أمام البراغماتية السياسية. وهذا ينسجم مع توجه أوسع يبدو أن القيادة السورية الحالية تحاول تكريسه، يقوم على الانتقال من منطق المحاور الصلبة إلى إدارة المصالح المتحركة وفق موازين القوى الجديدة.
في المحصلة، لا يبدو أن الرسالة السورية كانت موجّهة إلى اللبنانيين وحدهم. ثمة مخاطبة موازية لواشنطن والعواصم العربية وتل أبيب أيضاً، مفادها أن سوريا ترى نفسها جزءاً من أي هندسة جديدة للمشرق، لكنها تريد أن يكون هذا الدور قائماً على الاستقرار والاقتصاد وإدارة المصالح، لا على إعادة إنتاج أدوات النفوذ القديمة. أما لبنان، الذي يقف عند تقاطع كل هذه التحولات، فسيجد نفسه أمام اختبار مزدوج؛ هل ينجح في تحويل أي انفتاح إقليمي إلى فرصة لإعادة بناء الدولة، أم يبقى ساحة لتقاطع المشاريع الخارجية بدل أن يكون شريكاً في صياغتها؟