العفو العام... اختبار عدالة الدولة وقدرتها على ترميم الثقة
شهد لبنان عبر تاريخه محطات قاسية وانقسامات مؤلمة، لكن التجارب أثبتت أن الوطن لم يجد طريقه للخروج من أزماته إلا عندما تقدّمت لغة الدولة والمصلحة الوطنية على منطق القطيعة والانقسام.
فكم من ملفات بدت مستعصية، وكم من جراح ظنّ اللبنانيون أنها ستبقى مفتوحة، قبل أن يأتي منطق الحوار والتسوية ليؤكد أن الأوطان لا تُبنى بتراكم الخلافات، بل بقدرة أبنائها على إيجاد حلول تحمي الاستقرار وتصون الوحدة الداخلية.
اليوم يعود ملف العفو العام إلى واجهة النقاش، في مرحلة دقيقة يحتاج فيها لبنان إلى مقاربة مختلفة تنطلق من مسؤولية الدولة في معالجة الملفات العالقة بروح العدالة والحكمة، بعيداً عن أي حسابات ضيقة أو انقسامات تزيد الشرخ بين اللبنانيين.
فالعفو العام لا يجب أن يُختصر بأسماء أو انتماءات أو اصطفافات، بل يجب أن يُنظر إليه من زاوية أوسع: كيف نحافظ على ثقة المواطن بدولته؟ وكيف نعالج الملفات الحساسة بطريقة تعزز الاستقرار، وتمنع تراكم الشعور بالغبن أو التهميش؟
إن الدولة القوية ليست تلك التي تترك الأزمات معلّقة إلى ما لا نهاية، بل تلك التي تمتلك القدرة على إيجاد حلول مسؤولة ضمن إطار القانون، تحافظ على هيبتها وتصون حقوق مواطنيها.
ولعلّ النقاش الذي تشهده مدينة صيدا اليوم حول ملف العفو العام يعكس جانباً مهماً من طبيعة هذا الملف وحساسيته. فالمسألة بالنسبة لكثيرين لا ترتبط فقط بمطلب قانوني، بل أيضاً بحاجة إلى الشعور بأن الدولة تسمع مواطنيها، وأن العدالة تطبّق بمعايير واحدة بعيداً عن أي استنسابية.
وصيدا التي عرفت في مراحل سابقة ظروفاً صعبة تركت آثارها في ذاكرة أهلها، لا تريد أن تبقى أسيرة تلك المراحل. فهي مدينة أثبتت عبر تاريخها أنها جزء أساسي من النسيج الوطني، وأنها قادرة على تجاوز الجراح والتمسك بدورها كمدينة احتضان ولقاء.
ففي الأزمات، كانت صيدا دائماً حاضرة إلى جانب أبناء الوطن. وفي المحن الأخيرة، عندما احتاج أهل الجنوب إلى الدعم، فتحت أبوابها وقدّمت نموذجاً في التضامن والوقوف إلى جانب اللبنانيين من مختلف المناطق.
من هنا فإن أي مقاربة وطنية لأي ملف حساس يجب أن تراعي أهمية ترميم الثقة بين المواطن والدولة. فالمواطن الصيداوي، كما كل مواطن لبناني، يريد أن يشعر بأنه شريك كامل في وطنه، وأن صوته مسموع، وأن قضاياه تُعالج ضمن دولة القانون والعدالة.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُبنى بإبقاء الخلافات رهينة الماضي، ولا بمعاقبة المجتمعات على مراحل مرت بها، بل بقدرة الدولة على معالجة الملفات بروح مسؤولة توازن بين العدالة والمصالحة.
ولا يمكن فصل أي نقاش وطني اليوم عن الظروف التي يمر بها لبنان والمنطقة. ففي ظل الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية المستمرة، وفي ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أثقلت كاهل اللبنانيين، تصبح الوحدة الداخلية حاجة أساسية لا مجرد شعار سياسي.
فالدولة التي تريد مواجهة الأخطار الخارجية تحتاج أولاً إلى مجتمع متماسك، وإلى مواطنين يشعرون بأنهم جميعاً جزء من مشروع وطني واحد، لا مواطنين متفاوتين في الحقوق والاهتمام.
وعليه، فإن مقاربة ملف العفو العام يجب أن تكون مقاربة دولة. المطلوب ليس قراراً يرضي فريقاً على حساب آخر، ولا معالجة تُشعر أي مكوّن بأنه مستهدف أو مستثنى، بل إطار قانوني واضح ومتوازن يحفظ حقوق الجميع، ويعزز ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق مجلس النواب والحكومة وجميع القوى السياسية، لأن التاريخ لا يحاسب المسؤولين فقط على القرارات التي اتخذوها، بل أيضاً على الفرص التي أضاعوها. والمرحلة الحالية تحتاج إلى قرارات شجاعة تقدّم مصلحة لبنان على أي حساب آخر.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى إعادة إنتاج خلافات الماضي، بل إلى بناء مساحات مشتركة تعيد الثقة بين اللبنانيين تحت سقف الدولة.
قد نختلف في قراءة مراحل سابقة، وقد تختلف المواقف حول ملفات عديدة، لكن لا يجوز أن نختلف على أن مستقبل لبنان يحتاج إلى دولة يشعر معها كل مواطن بأنه شريك كامل فيها.
إن العفو العام، إذا جاء ضمن رؤية وطنية عادلة ومتوازنة، يمكن أن يكون فرصة لتعزيز الداخل، وترميم الثقة، ومنع تراكم الانقسامات، لا مناسبة لفتح جراح جديدة.
فلبنان اليوم يحتاج إلى دولة تجمع أبناءها، وإلى عدالة تطمئن الجميع، وإلى قرار وطني شجاع يؤكد أن مصلحة الوطن تبقى دائماً أكبر من كل خلاف.