اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

بيروت الأولى عربياً في التلوث... عندما تتحول أزمة الكهرباء والازدحام إلى كلفة صحية واقتصادية

صيدا اون لاين

تصدرت بيروت المدن العربية في "مؤشر التلوث لعام 2026 "الصادر عن قاعدة بيانات Numbeo، مسجلة 93.71 نقطة، مقابل 90.56 للقاهرة و76.88 لعمّان. وعلى المستوى الآسيوي، جاءت بيروت في المرتبة الخامسة بين المدن المدرجة في المؤشر.

لكن هذا الرقم لا يعني أن بيروت هي الأكثر تلوثاً وفق قياس مخبري مباشر، لأن مؤشر Numbeo يعتمد على مجموعة من المعايير والانطباعات والبيانات، وليس على قياس ملوث واحد في الهواء. ومع ذلك، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً عند مقارنته بالدراسات العلمية التي تشير إلى مشكلة حقيقية في جودة الهواء في العاصمة.

الجسيمات الدقيقة... الخطر الأكبر

من أبرز الملوثات التي تثير القلق الجسيمات الدقيقة PM2.5 ، وهي جسيمات صغيرة جداً يمكن أن تصل إلى عمق الجهاز التنفسي وتؤثر في الصحة.
واظهرت دراسات أجريت في بيروت أن مستويات PM2.5 وPM10 تجاوزت في فترات سابقة إرشادات منظمة الصحة العالمية بشكل كبير، كما ربطت ارتفاع هذه الجسيمات بزيادة حالات دخول أقسام الطوارئ بسبب أمراض الجهاز التنفسي.
وفي قياسات أشار إليها البنك الدولي، بلغ متوسط PM2.5 في بيروت خلال كانون الأول 2022 نحو 20.6 ميكروغراماً/م³*، مقابل مستوى إرشادي لمنظمة الصحة العالمية يبلغ 5 ميكروغرامات/م³.
بمعنى آخر، المشكلة ليست مجرد ترتيب في مؤشر دولي، بل هناك فرق واضح بين نوعية الهواء في بيروت والمستويات الصحية التي توصي بها الجهات الدولية.

 

المولدات... ثمن أزمة الكهرباء
لا يمكن الحديث عن تلوث بيروت من دون الحديث عن المولدات الخاصة.فأزمة الكهرباء دفعت المنازل والمؤسسات إلى الاعتماد على مولدات الديزل، التي تعمل في قلب الأحياء السكنية والتجارية، وليس في مناطق بعيدة عن السكان.
ويعتبر البنك الدولي المولدات الخاصة من مصادر تلوث الهواء الرئيسية في لبنان، إلى جانب النقل ومحطات الطاقة والصناعة.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن مولدات التوليد الخاص استهلكت في لبنان عام 2018 نحو 2.66 مليار ليتر من الديزل، وأنتجت كميات كبيرة من أكاسيد النيتروجين والكبريت والجسيمات الملوثة.
المشكلة هنا أن هذه الانبعاثات تحصل بالقرب من المنازل والمدارس والمكاتب، أي أن السكان يتعرضون لها بشكل مباشر ويومي.

الازدحام... فاتورة يدفعها المواطن
السيارات تشكل مصدراً آخر أساسياً للتلوث، خصوصاً مع الازدحام الشديد، وكثرة السيارات الخاصة، وقدم جزء من الأسطول، وضعف الصيانة والفحص الفعلي للانبعاثات.
ويشير البنك الدولي إلى أن النقل البري من المصادر الرئيسية لتلوث الهواء في لبنان.
لكن المشكلة لا تتوقف عند البيئة. فالمواطن الذي يضطر إلى استخدام سيارته بسبب ضعف النقل العام يدفع كلفة الوقود، ويخسر وقتاً إضافياً في الازدحام، فيما تتحمل الدولة والمجتمع جزءاً من الكلفة الصحية الناتجة عن التلوث.

البناء والغبار... تلوث لا يظهر دائماً في الصورة
مصادر التلوث لا تقتصر على السيارات والمولدات. فأعمال البناء والهدم والحفر ونقل مواد الإنشاء ترفع أيضاً مستويات الغبار والجسيمات في المدينة.
ولهذا تصبح إجراءات بسيطة، مثل تغطية الشاحنات، ورش المياه، وتخزين مواد البناء بطريقة تمنع تطاير الغبار، جزءاً أساسياً من أي سياسة للحد من التلوث في المناطق المكتظة.

الحرب تضيف مصدراً جديداً
الأزمات الأمنية تزيد المشكلة تعقيداً. فقد اظهرت دراسة نشرت عام 2026 حول تأثير حرب 2024 على جودة الهواء في الضاحية الجنوبية لبيروت، ارتفاع متوسط PM2.5 من 15.11 ميكروغراماً/م³ قبل الحرب إلى 20.21 ميكروغراماً/م³ خلال الحرب، وفق بيانات الأقمار الصناعية.
وتشير الدراسة إلى أن الحرب والدمار والحرائق والأنقاض وحركة الآليات الثقيلة يمكن أن تضيف مصادر جديدة للجسيمات الملوثة، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن هذه النتائج مرتبطة بظروف استثنائية وفترة محددة.

ماذا يمكن أن تفعل الدولة؟
معالجة المشكلة لا تبدأ فقط بمنع السيارات أو فرض رسوم جديدة، بل تحتاج إلى خطة واضحة تعتمد على البيانات.
أولاً، توسيع شبكة قياس جودة الهواء ونشر نتائجها بشكل يومي، بحيث يعرف المواطن مستوى التلوث الذي يتعرض له، وتتمكن الدولة من تحديد مصادره.
ثانياً، تنظيم المولدات من خلال فرض معايير واضحة للوقود والفلاتر والصيانة والانبعاثات، بالتوازي مع زيادة التغذية الكهربائية والاعتماد تدريجياً على مصادر الطاقة النظيفة.
ثالثاً، تحسين النقل العام وإجراء فحوص فعلية لانبعاثات السيارات، لأن معالجة التلوث الناتج عن النقل لا يمكن أن تعتمد فقط على فرض المخالفات.
رابعاً، تشديد المعايير البيئية على مشاريع البناء والصناعة، بحيث لا يتحول النشاط الاقتصادي إلى كلفة صحية وبيئية يتحملها المجتمع.
المشكلة أكبر من تصنيف
رقم 93.71 نقطة في مؤشر Numbeo قد يكون عنواناً لافتاً، لكن الأهم هو ما تكشفه الدراسات والبيانات عن واقع الهواء في بيروت.
فالمشكلة ليست مرتبطة بمصدر واحد، بل بمجموعة عوامل تشمل المولدات والسيارات ومحطات الطاقة والصناعة وأعمال البناء والغبار، إضافة إلى آثار الأزمات الأمنية.
لذلك، فإن تحسين نوعية الهواء في بيروت ليس مسؤولية وزارة البيئة وحدها، بل يرتبط بالطاقة والنقل والصحة والاقتصاد والبلديات.
والسؤال الحقيقي بعد تصدر بيروت المدن العربية في مؤشر التلوث ليس فقط كيف تتراجع في التصنيف، بل كم يدفع اللبنانيون اليوم نتيجة تلوث الهواء، وكم يمكن توفيره صحياً واقتصادياً إذا تمت معالجة مصادر التلوث بشكل تدريجي ومنظم؟

تم نسخ الرابط