دعارة تحت غطاء التّدليك... الأمن العام يُحارب الـ Happy Ending
إعلانٌ من بضعة سطورٍ كان كافياً لإعادة قطاعٍ كامل إلى الواجهة. ففي الأوّل من تشرين الأوّل، ذكّرت المديريّة العامة للأمن العام أصحاب المؤسّسات والشّركات بأنّ أعمال التدليك لغير الأغراض الطبيّة لا يُمكن ممارستها من دون موافقتها المُسبقة.
قد يبدو التّعميم للوهلة الأولى إجراءً روتينيّاً، لكنّه يفتح في الواقع ملفاً أكبر بكثير، ويطرح أسئلة عدّة: من يعمل فعليّاً في سوق التّدليك في لبنان؟ من يُراقب هذا السوق؟ وماذا يحصل داخل الغرف المُغلقة؟
توسّعت خلال السنوات الأخيرة سوق التدليك والاستجمام في لبنان، إلى حدّ بات يصعب معه تقدير حجمها الحقيقيّ، في ظلّ انتشار أعدادٍ كبيرة من المراكز، إلى جانب إعلانات وصفحات على مواقع التّواصل الاجتماعي تعرض خدماتها، من دون أن يعرف الزّبون بالضرورة شيئاً عن وضعها القانوني أو تراخيصها أو صفة العاملين فيها.
والواقع أنّ كلمة "Massage" على واجهة محلّ قد تخفي خلفها أوضاعاً قانونيّة مُختلفة تماماً. فالمركز الطبي يدخل ضمن إطار وزارة الصحّة، والمؤسّسة السياحيّة قد تخضع لوزارة السياحة أو للجهات الإداريّة المختصّة، خصوصاً بالنسبة إلى المراكز الموجودة في الفنادق ذات النّجوم الخمس، فيما يحتاج العمّال الأجانب إلى إجازات وموافقات مرتبطة بوزارة العمل والأمن العام.
أمّا نادي التدليك المستقلّ، أو ما يُعرف بمراكز الاسترخاء، فتفرض عليه المديريّة العامة للأمن العام إجراءات محدّدة، تبدأ بطلب الاستثمار، ولا تنتهي عند إذن مباشرة العمل وتسجيل العاملين.
وفي هذا الإطار، تكشف مصادر الأمن العام لموقع MTV أنّ "هناك ما يُقارب 100 مركز لما يُعرف بـ"الاسترخاء" في لبنان، والقسم الأكبر منها تحصل في داخله أمور مخلّة بالآداب، لكونه يقدّم خدمة جنسيّة تُعرف بـ"Happy Ending" وفق تقارير استقصائيّة يتلقاها الأمن العام".
وبحسب المصادر نفسها، فإنّ هذا الملف يقع تحت سلطة الأمن العام، بعدما تعرّض للإهمال خلال سنوات طويلة، وأصبح تنظيمه ضرورة قصوى، خصوصاً أنّه لا يوجد نصّ قانوني يسمح بالدّعارة في لبنان، فيما الأمن العام هو سلطة إنفاذ قانون وملزم بتطبيق النصّ الموجود.
وتشير المصادر إلى أنّ "النصوص القانونيّة المتعلّقة بالرقابة غير كافية، ولذلك راسل الأمن العام هيئة التشريع والاستشارات طالباً بعض الاستيضاح حول الملف، وتحديداً لناحية دور الأجهزة الأمنيّة والرقابيّة الأخرى، ودور شرطة الآداب"، كاشفة أنّ "معظم العاملين في هذه المراكز هم من جنسيّات غير لبنانيّة، وتحديداً من دول آسيويّة، كما أنه في الوقت الحالي، لا تُعطى رخص جديدة في هذا القطاع، بانتظار بلورة النصوص القانونيّة، نظراً إلى المخاطر الكبيرة المترتّبة عمّا يحصل داخل بعض هذه المراكز، وخصوصاً على القُصّر".
وخلال الفترة الماضية، صدرت بيانات أمنيّة عدّة عن مداهمات لمراكز تدليك في مناطق لبنانيّة مُختلفة، بعد توافر معلومات عن حصول أعمال دعارة واستغلال فتيات داخلها، فيما أُقفل عدد منها بالشمع الأحمر.
لكنّ التحدّي اليوم أكبر من مراقبة المراكز المعروفة، لأنّ السّوق نفسها تغيّرت. فلم يعد فتح محلّ ووضع لافتة "Massage" شرطاً لتقديم الخدمة. صفحاتٌ وحساباتٌ على "إنستغرام" ومواقع التواصل الاجتماعي تعرض جلسات تدليك منزليّة وخدمات "عند الطّلب"، فيما تتمّ الحجوزات والتّواصل عبر الرسائل الخاصّة وأرقام الهواتف.
وهنا تبرز معضلة جديدة. فإذا كانت الدّولة قادرة على تفتيش مؤسّسة لديها عنوانٌ واضح وترخيصٌ وسجلٌّ تجاري، فكيف يُمكن مراقبة نشاط يبدأ بإعلان على الهاتف وينتهي داخل منزل أو شقّة؟ ومن يضمن في هذه الحالات أنّ مقدّم الخدمة يحمل الاختصاص المطلوب، أو أنّه يعمل بصورة قانونيّة، أو حتى أنّ الخدمة المعروضة هي فعلاً الخدمة التي يتمّ تقديمها؟
ووسط كلّ ذلك، يبقى من الضروري الفصل بين قطاع شرعيّ يعمل ضمن القانون، وبين استخدام اسم هذا القطاع غطاءً لنشاط غير شرعي.
فما يحصل ليس حرباً على الـMassage، ولا على مراكز الـSpa أو المؤسّسات التي تعمل بصورة قانونيّة. على العكس، ضبط السوق يصبّ أيضاً في مصلحة المؤسّسات المرخّصة التي تتحمّل كلفة التسجيل والتراخيص والعمالة القانونيّة والضرائب، فيما تستطيع مؤسّسة تعمل في الظلّ منافستها بكلفة أقلّ ومن دون الالتزامات نفسها.
اللافتة على الواجهة واحدة، ولكنّ النشاط قد لا يكون كذلك. ومن هنا، تبرز أهمية الخطوات التي يتّخذها الأمن العام لإعادة تنظيم هذا القطاع ووضع حدّ للتجاوزات التي تراكمت فيه خلال سنوات، وهو ما يعكس توجّهاً جدّياً نحو حماية القطاع الشرعي ومُلاحقة من حوّل التدليك من خدمة مشروعة إلى ستارٍ للدّعارة والاستغلال!