إختر من الأقسام
آخر الأخبار
قدرة لبنان على الاحتمال والصمود منعدمة.. وكارثة مالية وشيكة اذا استمر الإنقسام
قدرة لبنان على الاحتمال والصمود منعدمة.. وكارثة مالية وشيكة اذا استمر الإنقسام
المصدر : الجمهورية
تاريخ النشر : الإثنين ٣٠ تشرين ثاني ٢٠٢٣

يقترب لبنان من خاتمة الشهر الأول للفراغ في سدّة رئاسة الجمهورية، والمجريات التي تلاحقت، قدّمت دليلاً دامغاً لا يرقى اليه الشك، بأنّ اطراف الانقسام الداخلي بات ميؤوساً منها.

أصبحنا دولة يُرثى لها، وشعباً مثيراً للشفقة، حال لبنان في ذروة الاختناق، وباعتراف الداخل والخارج، أسوأ بكثير ممّا شهده في الحرب الاهلية وما تلاها من ويلات ونكبات، فيما اطراف الانقسام الداخلي ماضون في الهدم، والتنافس على إعدام أي محاولة لإنعاشه، وحرمانه حتى من فرصة تنفس يحث عليها الصديق والشقيق. على ما نشهده في مقارباتهم للملف الرئاسي، والهروب من التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، يجمع الداخل والخارج على أنّه يشكّل باباً للنجاة، وكلّ تأخير فيه تتضاعف أثمانه على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وحتى الأمنيّة.

المناخ الداخلي، لا يبدو محكوماً بتعقيدات ورؤى سياسية مختلفة او متصادمة حيال الملف الرئاسي، وسائر الملفات والعناوين الداخلية الاخرى، بقدر ما هو محكوم بأطراف معقّدة، تبدو وكأنّها تعاني اضطرابات نفسية، تتبدّى أعراضها في سلوك شوّه العمل السياسي، معادٍ لمصلحة البلد، أعماه الحقد ونزعة التخريب والعبث بحاضر ومصير شعب ووطن، وزرع في أذهان اللبنانيين شكوكاً في أنّ وطناً اسمه لبنان سيبقى موجوداً على خريطة الدول، كأنّها تقوده عمداً الى التشرذم والانهيار؟!

معركتان .. ورهانان

في زمن التعقيدات السياسية والعِقَد النفسيّة، يصبح الحديث عن إمكان اختراق داخلي في الجدار الرئاسي خارج الواقع. فعدم التوافق حتّم معركتين مفتوحتين؛ الأولى آنية دائرة في مسلسل متواصل على حلبة جلسات مجلس النواب الفاشلة في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والثانية لاحقة، أي معركة الثلث المعطل لنصاب إنعقاد جلسات الانتخاب.

وما بين المعركتين، كما تقول مصادر سياسية واسعة الاطلاع لـ»الجمهورية»، لا يبدو انّ الملف الرئاسي سيتحرّك قيد أنملة خارج حقل الألغام الداخلية التي تزنّره. ومردّ ذلك إلى انّ المنطق الداعي إلى التوافق على رغم انّه الوصفة الوحيدة لتجاوز هذه الأزمة، غلبه منطق التعطيل وأحبطته خلفيات ورغبات اطراف، اختارت سبيلاً تصعيدياً، أغلقت فيه كلّ منافذ الانفراج، وقطعت من خلاله كل خطوط الرجعة نهائياً، برِهانها على أمرين كلاهما مستحيل التحقيق:

الأول، أن ينجح تصعيدها في الوصول إلى لحظة حاسمة تغلّب منطقها، بما يمكّنها من حمل الاطراف الداخلية الاخرى على الرضوخ الى منطقها، وجرّها إلى تقديم تنازلات سياسية تسيّلها في الملف الرئاسي، بما يحقق هدفها بإيصال مرشحها إلى رئاسة الجمهورية.


الثاني، انّ ترسم بتصعيدها مساراً مسبقاً لأي تحرّك خارجي، في الاتجاه الذي يحقق هدفها، ما يعني تغليب فئة على فئة.

في رأي المصادر، انّ خطورة هذا المنحى التصعيدي، تكمن في كونه اقرب إلى مقامرة ومغامرة باستقرار البلد، تقفز فوق واقع البلد وخريطة التوازنات فيه، وتحضّر أرضيته لتلقّي صدمات وتداعيات شديدة الخطورة والكلفة، والوضع المتدحرج سياسياً، سيصل إلى لحظة الاصطدام، إن عاجلاً او آجلاً. وأخطر ما فيها إن حصلت، انّ التداعيات والمخاطر لن تكون محصورة في مجال او قطاع دون آخر، بل شاملة كل شيء، حتّى الطائف والنّظام لن يكونا بمنأى عنها.

ممهدات التداعيات

على أنّ ممهدات هذه التداعيات بدأت تتظهر سريعاً في موازاة هذا المنحى، وخصوصاً على المستويين الإجتماعي والاقتصادي. وفي هذا الجو يقرع خبير مالي جرس الخطر المالي، بقوله لـ»الجمهورية»: «المستغرب هو استسهال السياسيين للفراغ في سدّة رئاسة الجمهورية والخلل القائم على مستوى المؤسسات، وإعماء أبصارهم عن الكلفة العالية التي يدفعها لبنان. وإذا كانت صرخة المواطن اللبناني تتعالى من وجعه من الضائقة التي يعيشها، والارتفاع الرهيب واليومي في الاسعار، الّا انّ الصرخة الأخطر لا يطول الوقت وتتعالى من الخزينة. فالفراغ في رئاسة الجمهورية مضى عليه ثلاثة اسابيع، فهل يعرف السياسيون انّ هذه الاسابيع الثلاثة دفع فيها لبنان كلفتها نزيفاً حاداً بعشرات ملايين الدولارات؟».

ولفتت المصادر، إلى انّ «كل شيء غير قابل للسيطرة، في حال تدحرج الوضع السياسي إلى ما هو أسوأ من الصدام الحالي، ولكن الأخطر من كل ذلك هو ما يحيط السوق المالي من احتمالات. فإذا أمكن لمصرف لبنان أن يسيطر على سعر صرف للدولار بالحدود التي هو عليها في هذه الايام، تبقى الامور تحت السيطرة من الآن وحتى الربيع المقبل على أبعد تقدير، اما اذا تعذّر، وكل المؤشرات تؤكّد ذلك، فلن يعود في الإمكان الحديث عن سقوف، او تقدير حجم الانهيار. وهو ما اكّدت عليه مستويات مالية دولية في تحذيرات صريحة ومباشرة أُبلغت في الفترة الأخيرة إلى مراجع اقتصادية ومالية».

قدرة الصمود منعدمة

وإذا كان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد وصف وضع البلد بأنّه «بالويل»، مؤكّداً انّه لا يحتمل اسابيع، ولا بدّ من اختراق جدار الأزمة بتوافق اللبنانيين على انتخاب رئيس للجمهورية كبند أول في جدول إعادة الدولة الى سكة الانتظام رئاسياً وحكومياً، فإنّ مصادر سياسية مسؤولة تستغرب ما سمّته الهروب من المسؤولية، وتحضير أرضية البلد لأزمة اعظم.

وقالت المصادر المسؤولة لـ»الجمهورية»، انّها تخالف القائلين بإمكان صمود لبنان في وضعه الراهن من الآن وحتى الربيع المقبل، فهذا افتراض فيه شيء من التفاؤل، فالوضع لا يبشر ابداً، وقدرة البلد على الاحتمال والصمود منعدمة، وباتت تقاس بأسابيع قليلة جدّاً.


ورداً على سؤال، اكّدت المصادر: «انّ الحل للأزمة الرئاسية وما حولها من ازمات، هو من عنديات اللبنانيين انفسهم، ولا سبيل له سوى من الداخل، فلننظر إلى خريطة اهتمامات واولويات العالم، كلها محصورة بالحدث الاوكراني وتداعياته. واما وضع لبنان فهو مجرد تفصيل صغير على الهامش، يُطرح من باب إلقاء المسؤولية الاولى والاخيرة على اللبنانيين في التوافق على تخطّي أزمتهم. ومع الأسف لا يوجد اي معطى داخلي يؤكّد هذه المسؤولية، بل حالة من الاستعصاء، تراوح في الفشل في انتاج رئيس، ومراكمة العناصر والاسباب الدافعة إلى السقوط الكارثي».

تحرّك برّي

من هنا، تؤكّد المصادر انّ «التسليم بالإستعصاء الداخلي، معناه تشريع الباب امام العاصفة. وإذا كان الرئيس بري قد اعلن تعليق مبادرته بجمع الاطراف الى طاولة حوار توافقي، الّا انّ أمام الواقع المأزوم، عاكف على تجميع أوراقه للانطلاق بتحرّك جديد يقوم به في المدى القريب، يرتكز على مشاورات ثنائية مع الكتل السياسية والنيابية، وهي محاولة أخيرة لإيقاف مسلسل الفشل الذي يتلاحق في مجلس النواب، وتجنيب لبنان مخاطر حقيقية تتهدّده، ليس فقط على المستوى المالي والاقتصادي والاجتماعي، بل في استقراره وعلى المستوى الوجودي للبنان كوطن ودولة».

على انّ اللافت للانتباه في هذا السياق، هو انّ المصادر عينها لا تقلّل من صعوبة أي مسعى داخلي لاستيلاد رئيس جديد للجمهورية من حقل التناقضات الداخلية، الّا انّ التحرّك في هذا الاتجاه محكوم بأن يراهن على ضوء في نهاية النفق، وخصوصاً انّ المسعى الجديد سيقوم بشكل أساس على قاعدة الاختيار بين واحد من امرين: بقاء لبنان واستمراره، او تركه ينهار ويسقط ونسقط معه جميعاً. ولم تستبعد المصادر ان يقترن المسعى الداخلي بقوة دفع خارجية جدّية من قبل أصدقاء لبنان وأشقائه.


وتلفت المصادر الى انّ الأساس في أي مسعى داخلي هو محاولة بلوغ نتائج ايجابية سريعة. فعامل الوقت يضغط في هذا الاتجاه، حيث انّ لبنان لم يعد من المناعة التي تمكّنه من الصمود لفترات طويلة، وبالتالي إنّ عدم بلوغ اللبنانيين التوافق على رئيس في المدى القريب المنظور، يُخشى معه ان يرحّل الملف اللبناني إلى مديات زمنية بعيدة ويركن إلى جانب الملفات الاخرى الساخنة في المنطقة، من الملف السوري، إلى الملف النووي، إلى ملف اليمن، إلى ملف العراق، التي باتت مربوطة ببعضها البعض، وربما صارت مربوطة جميعها بالملف الاوكراني، في انتظار ان يصبح الملف اللبناني جزءًا من صفقة دولية تشمل كل تلك الملفات، وهي صفقة غير متوفرة حالياً، وقد لا تتوفّر في أي وقت، فهي بالحدّ الأدنى تتطلب معجزة.



ماذا عن الخارج؟

إلى ذلك، اكّد مطلعون على الحركة الديبلوماسية لـ»الجمهورية»، انّ الحديث عن تحرّك خارجي مرتقب، يفترض الّا يصرف اللبنانيين عن اولوية التفتيش عن مخرج توافقي لأزمتهم.

وشدّدت المصادر، في معرض قراءتها للمشهد الخارجي، على أنّ اللبنانيين يرتكبون خطأ فادحاً في الرهان على مسعى قبل ان يتبلور ويُلمس لمس اليد، ذلك انّ لا شيء ملموساً بعد، صحيح انّ الفرنسيين انخرطوا باكراً في المشهد الرئاسي، الّا انّ ذلك لم يخرج بعد عن سياق اتصالات متقطعة وكلام رئاسي بالعموم، مع دول لها حضورها ودورها في لبنان مثل السعودية.


ويشير المطلعون إلى انّ بعض المعطيات الخارجية تخالف 180 درجة ما تردّد عن إشارات خارجية حول تحرّك خارجي وشيك لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته. وقالت: «في الاستحقاق الرئاسي اللبناني مجموعة من اللاعبين، اللاعب اللبناني، وقد ثبت عجزه عن تسجيل هدف رئاسي في جدار التعطيل، ولاعب درجة اولى خارجي ولاعب درجة ثانية. وحتى الآن ورغم كل ما يُقال عن الخارج، فإنّ اللاعب الاول خارجياً ما زال منكفئاً ومبتعداً عن المشهد الرئاسي اللبناني».

وفي رأي هؤلاء، فإنّ اللاعب الاول هم الاميركيون، واما كل الآخرين، فهم لاعبون درجة ثانية، يلعبون فقط ضمن حدود مساحة الوكالة الممنوحة لهم من اللاعب الأول، وتبعاً لذلك لا توجد أي مقدمات او إشارات لأي تحرّك اميركي مباشر على خط الملف الرئاسي، او بمعنى أدق، لا يُرى في أفق الأزمة الرئاسية ضوء اخضر اميركي لإطلاق أي مبادرة او تحرّك. بل انكفاء واضح نحو الملفات الأكثر اولوية بالنسبة إلى الادارة الاميركية.


وفي خلاصة كلام المطلعين، انّ واشنطن لم تخف انكفاءها عن الدخول في شكل مباشر على الملف اللبناني، أقلّه في هذه المرحلة، واكتفت بحث اللبنانيين على انتخاب رئيس وتشكيل حكومة تلبّي طموحات الشعب اللبناني. وكان على اللبنانيين ان يقرأوا بتمعّن الرسالة الاميركية التي وجّهتها واشنطن مع بدايات الفراغ الرئاسي عبر مساعدة وزير الخارجية الأميركيّة لشؤون الشرق الأدنى باربارا ليف، التي حذّرت من أنّ «عدم انتخاب رئيس للجمهورية سيؤدّي بلبنان إلى فراغ سياسي غير مسبوق، ما ينذر بانهيار الدولة مجتمعياً». وقالت: «مجلس النواب في لبنان فشل بانتخاب رئيس، ما يترك لبنان في فراغ غير مسبوق..هذا الشيء لا نستطيع أن نفعل به شيئاً، فهم عليهم فعل ذلك».



بري وميقاتي

وكان الملف الرئاسي إلى جانب ملفات سياسية واقتصادية، محور بحث بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي، الذي اكتفى بالقول، انّ «البحث تناول اموراً سياسية واقتصادية عدة ومن بينها موضوع الكهرباء».



مكاري

وفي السياق الرئاسي، برز امس موقف لوزير الإعلام في حكومة تصريف الاعمال زياد المكاري قال فيه: «معلوماتي تؤكّد انّ «حزب الله» سيدعم رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية وانا مسؤول عن كلامي».

ولفت الى أنّ «حظوظ فرنجية بالوصول إلى سدّة الرئاسة ما زالت عالية جداً وهو الأوفر حظاً، ولا يمكن لأحد ان يقول «ما في رئيس من دوننا»، وهنا أقصد جبران باسيل، ومن عرقل مسيرة العهد هو العهد، وعون دخل الى قصر بعبدا بتسوية مع «القوات اللبنانية» ومع سعد الحريري وجنبلاط ومع «حزب الله» ايضاً، وبعد سنة او سنتين فشلت كل هذه التحالفات. فلماذا أحمّل الفشل لسليمان فرنجية»؟

وتابع: «جبران باسيل يعتقد انّه تحمّل مسؤولية تحالفه مع «حزب الله»، وفُرضت عليه العقوبات، وبالتالي يعتقد انّ من حقه ان يضع شروطه بموضوع رئاسة الجمهورية ونحن أمام معركة نصاب وليس معركة انتخاب، وتأمين النصاب يعني تأمين الميثاقية، ومن الممكن ان يعلن «حزب الله» عن ترشيح ودعم سليمان فرنجية من دون موافقة التيار الوطني الحر».



قاسم

بدوره، إعتبر نائب الأمين العام لـ»حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، انّه «إذا لم يحصل في البلد، انتخاب رئيس للجمهورية، فلا يمكن تحريك الوضع الاقتصادي والاجتماعي وخطة التعافي، لأنَّ الطريق الإلزامي لبداية الإصلاحات وبداية العمل لإنقاذ لبنان هو انتخاب الرئيس. لذا كل الكتل مسؤولة عن انتخاب الرئيس. فلا يحملن أحد «حزب الله» المسؤولية وحده».

وقال: «نحن لنا عدد معيَّن في مجلس النواب نؤثر بمقدار هذا العدد في انتخاب الرئيس، والكتل الأخرى كل منها تؤثر بمقدار عددها. تبيَّن أنَّه لا توجد أكثرية في أي اتجاه سياسي، ومن كان يدّعي انّ لديه 67 نائباً، كان يجمع ما لا يجتمع، أو كان متوهماً بمقبوليته أو مقبولية خياراته عند النواب الجدد أو المستقلين. وانكشف أنَّ اجتماع الثلث مع خياراته إنجاز استثنائي، وهذا العدد لا يُنجح رئيساً».

ولفت إلى أنّ «الورقة البيضاء رسالة إيجابية بعدم الحسم، بينما بعض الأسماء التي طُرحت تعيق الاتفاق لأنَّها استفزازية، وهم يعلمون بأنَّها لن تنجح، ومشروعها السياسي ضدّ مصلحة لبنان، وهو يربط لبنان بالمصالح الأجنبية». وقال: «إذا كانت المقاومة نقطة خلافية أحيلوها إلى الحوار، ولنأتِ برئيس لديه قدرة على العمل الانقاذي وإدارة طاولة حوار تستطيع أن تجمع اللبنانيين ليتناقشوا في موضوع الاستراتيجية الدفاعية، ولنر إلى أي نتيجة سنصل».


عودة الى الصفحة الرئيسية