إختر من الأقسام
آخر الأخبار
إذا استمرّت المراوغة فنحن ذاهبون إلى أوضاع أكثر مأسوية وظروف لا تحمد عقباها.. هل ينسحب لبنان فعلياً من الإتفاق مع صندوق النقد؟
إذا استمرّت المراوغة فنحن ذاهبون إلى أوضاع أكثر مأسوية وظروف لا تحمد عقباها.. هل ينسحب لبنان فعلياً من الإتفاق مع صندوق النقد؟
المصدر : د. سعادة الشامي - نداء الوطن
تاريخ النشر : الإثنين ١٥ أذار ٢٠٢٤

مع انتهاء بعثة صندوق النقد الدولي من الإستشارات مع المسؤولين اللبنانيين بمقتضى المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس الصندوق، والتي تُعنى بتقييم الوضع الاقتصادي والمالي والنقدي وتقديم المشورة بشأن السياسات التي تساعد على تخطّي وضعه العسير، ومع صدور بيان الصندوق الختامي الذي حذَّر من خطورة الحالة في لبنان وإمكانية الانزلاق إلى أزمة لا أفق زمنياً لها داعياً السلطات اللبنانية إلى تحرّك فوري وحاسم لتنفيذ حزمة الإصلاحات التي تَعَهَّدَت بها، في إطار الاتفاق على صعيد الموظفين، تبارى بعض السياسيين للتنويه ببيان الصندوق وتسليط الضوء عليه وكأنهم لم يكونوا على دراية بخطورة الوضع الذي ما انفكَّت الحكومة تحذّر منه. وقال الشامي إنه ردّدت مراراً أنه إذا استمرّت المراوغة وهدر الوقت الثمين فنحن «ذاهبون إلى أوضاع أكثر مأسوية وظروف لا تحمد عقباها». وأُعيد التأكيد أن كل تأخير بالإصلاحات المطلوبة سيزيد الحلولَ صعوبةً وإيلاماً، وهذا ما عَبَّرتُ عنه في مقالات ومقابلات تلفزيونية وتصاريح عِدَّة، كما في مجلس النواب. ولكن ربّما الصوت الهادئ من الداخل لم يَلقَ آذاناً صاغية لِذا أنا أرفع الصوت عالياً لعلّ المسؤولين يُسرِعون في إقرار الإصلاحات في أيّ موقعٍ تواجدوا.

مرّت سنة ولا شيء يذكر

‏ فها نحن قد شارفنا على الذكرى السنوية الأولى لاتفاقنا مع الصندوق على خطة إصلاح مالي واقتصادي متكاملة، ولكن لم ينفّذ إلا الجزء اليسير من الإجراءات المطلوبة لإبرام الاتفاق النهائي. فالطبقة السياسية إما تعيش حالة إنكار ربما لعدم إلمام بعضها بالأمور الاقتصادية المعقّدة التي يواجهها لبنان، أم هي على يقين كامل وبيِّنة من خطورة الوضع، ولكن تشابك المصالح يمنع بعضها من المضيّ قدماً بالإصلاحات تحت حجج واهية.

وهذه بعض الأمثلة والمؤشِّرات: فقد أُقرَّ قانون تعديل السرية المصرفية ناقصاً رغم المحاولات المتكرّرة للفت النظر والتنبيه إلى هذا الأمر في مجلس النواب، ولكن من دون نتيجة. أما قانون الـ»كابيتول كونترول» فحدِّث ولا حرج لأنه رغم مرور ثلاث سنوات على البدء بمناقشته واثنتي عشرة جلسة للجان المشتركة، أتت النسخة المعدَّلة مغايرة بشكل كبير لمشروع القانون المقدّم من الحكومة، وغير مقبولة من الصندوق. أمّا توحيد سعر الصرف والتدقيق في الأصول الأجنبية في مصرف لبنان، وهما شرطان مُسبَقان لإبرام الاتفاق مع الصندوق فهما في دائرة الانتظار. ومن المعلوم أن التدقيق بالأصول الأجنبية المُعَدّ من قبل شركة التدقيق العالمية (KPMG) قد انتهى منذ فترة، فمن غير المفهوم لماذا لم ينشر بعد هذا التقرير. إضافةً، ورغم التشوهات الكبيرة الناتجة عن تعدُّد أسعار الصرف والتي أدّت في ما أدّت الى أعمال مضاربة يستفيد منها البعض على حساب أكثرية اللبنانيين وبالأخص المودعين، لم يُتّخذ قرار توحيد سعر الصرف بعد لوقف هذه التشوّهات.

تدهور إضافي في سعر الصرف

ومع هذا كله يتساءل الكثيرون لماذا يتدهور سعر الصرف بهذه الوتيرة السريعة، وكان هذا موضوع نقاش في اللجان المشتركة في مجلس النواب الأسبوع الماضي. إن سعر الصرف هو مرآة للأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية الصعبة وكذلك الأوضاع السياسية المأزومة الناتجة عن عدم انتظام عمل المؤسسات الدستورية، بما فيه شغور سدة الرئاسة ووجود حكومة تصريف الأعمال كُلَّما التأمت لتسيير المرفأ العام ومعالجة أمور معيشية مُلِحّة تقوم الدنيا ولا تقعد، فضلاً عمّا يحدث مع الجهة المسؤولة الأولى عن استقرار سعر الصرف، إضافةً إلى الشلل شبه التام في القطاع العام.

إن تمويل العجز في الموازنة العامة، الناتج عن زيادة في النفقات لا تقابلها زيادة في الإيرادات أدّى إلى الإسراف في طبع العملة وارتفاعٍ مُطّرِد في حجم الكتلة النقدية ما نتج عنه ضغط على سعر الصرف وارتفاع جنوني في الأسعار. ويتدخل البنك المركزي بين الحين والآخر للجم الارتفاع في سعر الصرف فيسحب من السوق كميّات من الليرة اللبنانية مقابل خسارة إضافية في الاحتياطي الأجنبي، أي مزيد من الاستنزاف لأموال المودعين، ويعود من ثمَّ ليشتري دولارات من السوق الموازية لتفادي التناقص في الاحتياط الأجنبي، ويتكرّر هذا المشهد بطريقة دورية. هذه كلها حلول موقتة ومجتزأة ومُكلِفة تأتي كردّة فعل خارج خطة متناسقة وحزمة من التدابير الإصلاحية، فيستمرّ الدوران في حلقة مفرغة. وفي هذا الإطار، فإن الزيادات المطروحة حالياً للبحث على رواتب القطاع العام وكلفتها الباهظة ستزيد من هذه الضغوط إذا لم يتوفر لها التمويل الأجنبي اللازم، وتزيد من انهيار سعر الصرف. وسوف يؤدّي استمرار هذا النهج إلى تضخّم مفرط يعيدنا بالذاكرة إلى ما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وإلى ما تعانيه فنزويلا في العصر الحديث.

أين رجال الدولة؟
‏لبنان بحاجة إلى رجال دولة بعيدين عن الشعوبية يقودون الرأي العام ولا يقادون منه، يصارحون المواطنين بالحقيقة المرّة ويتخذون المواقف الجريئة لما فيه مصلحة الجميع. البلد ينهار ويتحلّل أمام أعيننا فيما نحن نناقش جنس الملائكة. المبنى يتصدّع ويتهاوى والبعض ينتظر أن ينهار كلّياً ظناً منه أن بإمكانه أن يبنيه من جديد وعلى قياسه غير آبهٍ بأن ذلك قد لا يكون ممكناً ليتّسع للجميع. لِذا أدعو الجميع لنتعاون وننقذ لبنان من مصير قاتم، فنؤمِّن للمواطن العيشَ الكريم بعد أن وصل الألم والوجع الى مستويات تهدِّد بانفجار اجتماعي.

ستزداد الصعوبة والكلفة
‏يعتقد بعض السياسيين والمحللين أنه نظراً للتقدم البطيء بتنفيذ الإجراءات المسبقة فإن صندوق النقد الدولي سينسحب من الاتفاق ومن لبنان. ولقد أكدت مراراً أن الصندوق لن ينسحب من لبنان، وهذا ما أعادت التشديد عليه بعثة الصندوق، وأن الاتفاق على صعيد الموظفين قائم بمفاصله الأساسية ولو كانت هناك حاجة مع مرور الوقت لتحديث الأرقام والتواريخ التي وضعت بناء على افتراضات محدَّدة. أما إذا تلكأنا في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وإذا لم نقم نحن بما يجب علينا فهذا يعني عملياً بأننا نحن من يريد الانسحاب من الاتفاق الذي وافق عليه الرؤساء ثلاثة وأقرَّه مجلسُ الوزراء. إن القرارَ لنا ومستقبل لبنان بأيدينا فصندوق النقد الدولي والمجتمع الدولي هما عناصر مساعدة، ولكن ليسا من يقرّر مصيرنا.

إن تعثّر الإصلاح يضرّ بسمعة لبنان وبمدى استعداد الدول المانحة لتأمين التمويل اللازم وهذا ما يزيد صعوبة الإجراءات وتكلفتها وهذا بدوره قد يجعل الصندوق أكثر تشدداً. هذا ما لمسناه إبّان مناقشاتنا مع بعثة الصندوق حول أمور ومقترحات جديدة لا تتناقض في جوهرها مع الأساسيات التي يرتكز عليها الاتفاق. ولكن إذا قمنا بما التزمنا به أمام المجتمع الدولي وبالسرعة المطلوبة فعندها يمكن أن نضع المدماك الأساسي ونؤسس للمصداقية المطلوبة، ما يؤمّن بعض المرونة من قبل الصندوق ويسهِّل إعادة النظر في بعض جوانب الاتفاق إذا اكتشفنا من خلال التطبيق وجود ثغرات معينة في البرنامج.

تجييش ضد الخطة
إن التجييش الإعلامي ضدّ خطة التعافي التي وضعتها الحكومة والتي تم الاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي في السابع من نيسان من العام الماضي، وكذلك ضدّ الخطة المفصلة والموسعة التي أرسلها رئيس مجلس الوزراء إلى مجلس النواب في التاسع من أيلول المنصرم يزيد الأمور تعقيداً. فمن المستغرب أن بعض السياسيين من مشارب سياسية مختلفة، كما بعض وسائل إعلام ما زالت تدّعي جهاراً أنَّ ليس للحكومة أية خطة. ومن الواضح من خلال المناقشات في مجلس النواب أن عدداً من النواب لم يطّلعوا على تفاصيل الخطة أو هم يتجاهلون وجودها لغايات أخرى. كما أن بعضَهم في ما يحاضرون من على منابر إعلامية بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والالتزام ببرنامجه، يتجاهلون أو ينتقدون في الوقت نفسه خطة الحكومة التي هي ركيزة ومرجع الاتفاق مع الصندوق. قد يكون البعض غير مدرك لذلك أو ربما هم مدركون لكنهم لا يتجرّأون على تأييد برنامج الحكومة جهاراً كي لا يُتَّهَموا بأنهم إلى جانب «المنظومة»، ناسين أو متناسين أن هناك أشخاصاً لا علاقة لهم بالمنظومة بل يعملون على إنقاذ الوطن من الكارثة الاقتصادية الناتجة عن سوء السياسات الاقتصادية التي اُتبعت عبر السنين.

أنا أنجزت مهمتي... ولكن
وفي هذا الخصوص أريد أن أشير الى أن مهمتي الأساسية في الحكومة منوطة بتحضير برنامج اقتصادي متكامل والوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لنضع لبنان على سكة التعافي. هذه المهمة أُنجزت، أما التنفيذ فهو ما زال في مكان آخر. لقد حاولت ودافعت عن هذه الخطة لأن الحلول المطروحة ممكنة إذا وجدت الإرادة السياسية والنية السليمة لتنفيذها. ولكن إذا لم يتدارك المسؤولون الأمر سريعاً، فإني أخشى أن يُقفل باب الإنقاذ أمامنا ونفقد الأمل. إني أرى أن الضوء في نهاية هذا النفق الطويل يخفت شيئاً فشيئاً ويكاد ينطفئ كلياً. وعندها قد يكون من الضروري الخروج من هذا النفق. ومع وجود حكومة مستقيلة قد يضطر المسؤول إلى الانكفاء إلى الظل حتى لا يكون شاهد زور على ما يحصل والذي يؤدي بالنتيجة الى انهيار لا قعر له.


عودة الى الصفحة الرئيسية