إختر من الأقسام
آخر الأخبار
المصارف تُخفي أرقامها.. والحكومة متواطئة
المصارف تُخفي أرقامها.. والحكومة متواطئة
المصدر : علي نور الدين - المدن
تاريخ النشر : الأحد ١٤ نيسان ٢٠٢٤

قبل شهرين بالتمام والكمال، أي في 2 شباط الماضي، أصدر مصرف لبنان التعميم 167، الذي فرض على المصارف والمؤسسات الماليّة اعتماد سعر الصرف الفعلي عند التصريح عن الميزانيّات. كان من المفترض أن يكشف هذا التعميم، الذي يتكامل مع مسار توحيد أسعار الصرف، الوضعيّة الماليّة الفعليّة لكل مصرف على حدة، وللقطاع المصرفي بشكل عام (أي ميزانيّة القطاع المجمّعة، التي تشمل أرقام جميع المصارف معًا).

وبذلك، كان من الممكن أن نطوي –بتطبيق هذا التعميم- صفحة أسعار الصرف الوهميّة والمنخفضة، المعتمدة لإعداد الميزانيّات المصرفيّة منذ بداية الأزمة، والتي لطالما أخفت أو موّهت واقع النظام المالي الفعلي.

طمس الأرقام المصرفيّة منذ بداية العام
منذ صدور التعميم، توقّفت مواقع وتقارير المصارف الماليّة عن نشر المؤشّرات الدوريّة، التي تلخّص ميزانيّة القطاع المجمّعة، أو تلك التي تعكس وضعيّة كل مصرف بمفرده. ورغم انقضاء ثلاثة أشهر من العام الحالي، امتنعت المصارف عن الإعلان عن أي أرقام تعبّر عن وضع القطاع خلال هذه السنة. باختصار، لم تتمرّد المصارف على التعميم، عبر اعتماد سعر صرف غير واقعي، لكنّها لم تمتثل له بنشر أرقامها وفق سعر الصرف الفعلي. وبدل تصحيح الأرقام والميزانيّات، تم سحبها من التداول كليًا.

الموقع الرسمي لمصرف لبنان، الناظم القانوني للقطاع ومُصدِر التعميم 167، ما زال يكتفي حتّى هذه اللحظة بنشر أرقام القطاع المصرفي المجمّعة حتّى نهاية شهر كانون الأوّل الماضي، أي لغاية ما قبل بدء العام الحالي. أو بصورة أوضح: لم ينشر المصرف المركزي حتّى اللحظة مؤشّرات المصارف اللبنانيّة، كما أصبحت بعد اعتماد سعر الصرف الفعلي وفقًا لتعميمه، الذي دخل حيّز التنفيذ منذ نهاية كانون الثاني الماضي.

المسألة الغريبة هنا، هي أنّ المصرف المركزي بدأ بتطبيق سعر الصرف الفعلي للتصريح عن ميزانيّته النصف الشهريّة، وهو ما انعكس على تركيبة الميزانيّة ونسبة بعض البنود من إجمالي الموجودات. غير أنّ المصرف لم يتمكّن حتّى اللحظة، كما يبدو، من تجميع أرقام المصارف بعد إعدادها وفقًا لسعر الصرف الفعلي، لتحديث جميع المؤشّرات التي يتم نشرها دوريًا على موقع مصرف لبنان. مع الإشارة إلى أنّ المصرف عمد تاريخيًا إلى نشر وتحديث مؤشّرات القطاع، أو ميزانيّة القطاع المجمّعة، عبر تلقي هذه الأرقام من كل مصرف ومن ثم دمجها، مع نهاية كل شهر.

على أي حال، كان من المتوقّع أن يفشل مصرف لبنان في تحديث الأرقام هذه السنة، إذا كانت المصارف نفسها تمتنع عن نشر أو تحديث أرقامها وفقًا لمندرجات التعميم 167. فمصدر معلومات المصرف المركزي، هو تصاريح المصارف نفسها. ومن الواضح –من الأرقام المنشورة على الموقع الرسمي لمصرف لبنان- أن المصارف أبعدت أرقامها عن أعين المصرف المركزي، تمامًا كما أبعدتها عن أعين الجمهور.

ماذا تخفي المصارف؟
من المعلوم أن المصارف قاومت حتّى الرمق الأخير فكرة التعميم 167 قبل صدوره، من خلال الدخول في مفاوضات شرسة مع مصرف لبنان لتأجيل هذه الخطوة، منذ أيّام الحاكم السابق رياض سلامة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم المماطلة المتعمّدة التي تقوم بها المصارف حاليًا، لتأجيل تطبيق التعميم، أو إبطال مفاعيله من خلال عدم نشر الأرقام الجديدة. غير أنّ المهم هنا، هو فهم الحقائق التي تحاول المصارف إبعادها عن أعين الجمهور، من خلال المماطلة في تنفيذ التعميم.

من المهم الإشارة أوّلًا إلى أنّ خسائر القطاع المصرفي تنقسم حاليًا إلى جزئين أساسيين:

- الجزء الأوّل، وهو الأكبر والأهم، يتمثّل في فجوة العملات الأجنبيّة لدى مصرف لبنان، أي في الفارق بين موجوداته وإلتزاماته للمصارف بالعملات الأجنبيّة. وهذه الفجوة، هي ما يمنع المصرف المركزي من سداد إلتزاماته للمصارف، التي تمثّل فعليًا أموال المودعين التي وظّفتها المصارف لدى مصرف لبنان.

- أمّا الجزء الثاني من الخسائر، الأصغر حجمًا، فهو متراكم داخل المصارف نفسها، من خلال فجوات مماثلة بالعملة الصعبة في ميزانيّات معظم المصارف التجاريّة (وبدرجات متفاوتة جدًا). أي أنّ موجودات هذه المصارف بالعملات الأجنبيّة، تقل عن إلتزاماتها، بمعزل عن أزمة مصرف لبنان. وبهذا الشكل، حتّى لو افترضنا أن مصرف لبنان قادر على إعادة جميع إلتزاماته للمصارف بالعملات الأجنبيّة، أي إذا تخطّى المصرف المركزي أزمته، ستظل المصارف اللبنانيّة مأزومة بجزء آخر من الخسائر الخاصّة بها، والتي لا ترتبط بوضعيّة أو سيولة المصرف المركزي.

عمق الأزمة
ثمّة أسباب عديدة لتراكم الجزء الثاني من الخسائر، أي الخسائر المرتبطة بميزانيّات المصارف، خارج ميزانيّة مصرف لبنان. ومن هذه الأسباب مثلًا، لجوء بعض المصارف إلى بيع محفظة سنداتها من اليوروبوند بحسومات كبيرة من قيمتها، أو احتساب المصارف للخسائر الناتجة عن وقف سداد سندات اليوروبوند، أو احتساب الخسائر الناتجة عن تعثّر بعض القروض الممنوحة للقطاع الخاص. جميع هذه العوامل، أدّت في النهاية إلى تناقص موجودات المصارف بالعملات الأجنبيّة، مقارنة بحجم إلتزاماتها للمودعين، بدرجات تفاوتت وفقًا لانكشاف كل مصرف على هذه المخاطر.

خلال السنوات الماضية، تمكّنت المصارف من إخفاء هذا الجانب من الخسائر، عبر اعتماد أسعار الصرف المنخفضة للتصريح عن إلتزاماتها وموجوداتها بالعملات الأجنبيّة. وكانت المصارف ترفض فكرة الانتقال للتصريح عن الميزانيّات بسعر الصرف الفعلي، لمنع انكشاف هذه الخسائر، خصوصًا أن كشف هذه الخسائر سيعني عمليًا تآكل قيمة رساميل –أو مساهمات- أصحاب المصارف. ببساطة، كان أصحاب المصارف يدافعون عن مصالحهم الخاصّة، من خلال التغاضي عن اعتماد الأصول المحاسبيّة الصحيحة لإعداد الميزانيّات.

للسبب نفسه، تماطل المصارف اليوم في إعداد الميزانيّات وفقًا لمندرجات التعميم 167. إذ تدرك المصارف جيّدًا أن تطبيق التعميم، والتصريح عن ميزانيّات كل مصرف بسعر الصرف الرسمي، سيكشف عمق الأزمة التي يعاني منها كل مصرف على حدة. كما سيكشف التفاوت في وضعيّة المصارف اللبنانيّة، وتفاوت إمكانيّة استمرار كل مصرف يعمل حاليًا في السوق. وبعبارة أوضح، سيمثّل هذا التعميم خطوة تسمح بإعادة هيكلة القطاع في المستقبل، بحسب حاجات الرسملة الموجودة لدى كل مصرف.

تواطؤ حكومي في طمس الحقائق
وفقًا لمندرجات التفاهم مع صندوق النقد الدولي، كان من المفترض أن ينجز لبنان منذ فترة طويلة التدقيق الشامل في ميزانيّات أكبر 14 مصرفًا لبنانيًا. وهدف هذا التدقيق، كان معاينة فجوة الخسائر التي يعاني منها كل مصرف، وفقًا لقيمة الأصول الفعليّة، مقارنة بحجم إلتزاماته.

وكان من المأمول أن يكون هذا التدقيق الخطوة الأولى، على طريق معاينة وضعيّة القطاع الحاليّة، ومن ثم إعادة هيكلته في المستقبل. وعلى هذا الأساس، كان من الممكن أن يقدّم التدقيق المعطيات التي تحاول إدارات المصارف إخفاءها اليوم، ومن قبل جهة متخصّصة تقنيًا، بدل الركون إلى الميزانيّات التي تقوم المصارف بإعدادها.

غير أن الحكومة اللبنانيّة تواطأت حتّى هذه اللحظة لإخفاء جميع تلك الحقائق، من خلال المماطلة المتعمّدة طوال السنتين الماضيتين، لتفادي إطلاق هذا المسار. ببساطة، المصارف لا تريد فتح دفاترها، والحكومة لم تبادر إلى فتح هذه الدفاتر بنفسها، كما تعهّدت في التفاهم المعقود مع صندوق النقد الدولي. وتأخير هذا الاستحقاق، كان أحد الأسباب التي تعرقل فهم واقع القطاع المصرفي، ما يعقّد مسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي، تمامًا كما تقتضي مصالح النافذين في القطاع.


عودة الى الصفحة الرئيسية