إختر من الأقسام
آخر الأخبار
المرأة والرجل
عندما تقدمتُ لوظيفة فقال لي المدير: اذهبي للبيت فهو أفضل مكان للمرأة!
عندما تقدمتُ لوظيفة فقال لي المدير: اذهبي للبيت فهو أفضل مكان للمرأة!
المصدر : إيناس مسلط | عربي بوست
تاريخ النشر : الثلاثاء ٢٥ كانون ثاني ٢٠٢٠

يتبادر إلى الذهن سؤال افتراضي: مَن الأقدر على التحكم في مشاعره ووضوح العلاقات خلال بيئات العمل المختلطة، الرجل أم المرأة؟

يُثبت العلم والتجربة عدم تميز جنس عن الآخر في ذلك، الذي يقرر القدرة على تقديم ميزان العقل في عواطفنا وتعاملنا هو الخبرة والوعي بالظروف المحيطة بالحالة نفسها، لا نستطيع وضع قاعدة، لكننا نسمع شكاوى النساء أكثر، لما يسود مجتمعنا من تنافي الرجولة مع البوح بالمشاعر وتجارب الخذلان.

في مجتمعنا أنجزت المرأة من العلم والاكتفاء ما لا يقل عن المرأة الغربية، إلا أن كثيرات رغم قوتهن وتقدمهن فإنهن يعشن تجارب سيئة، فتكتفي بالألم وتصبه على من حولها، فتكون عصبية أو منطوية وضعيفة الشخصية، أو تخوض علاقات أخرى فاشلة، أو يصبح تعاملها شرساً وعنيفاً مع غيرها من النساء، وتتعايش بهذه الحال.

في الغرب، المرأة تستطيع التعبير عن ألمها والبحث عن علاج له دون خوف، تستطيع البدء من جديد، واختيار طريق لحياتها، يمكنها الاستعانة بطبيب نفسي، وتخضع لعلاج سلوكي وأحياناً دوائي يساعدها على تجاوز الصدمة. فعلى سبيل المثال، عندما ترتبط المرأة برجل إذا مرضت العلاقة ولم تستمر بسهولة تامة تعترف وتقر بفشلها، أمّا في مجتمعاتنا فإن المرأة تتلوّنّ مجبرة بدافع التربية المشوهة، وبحجة الصبر من أجل أبنائها، بالإضافة إلى صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي قد تتركها بحاجة إلى معيل، وتضطر للاستمرار مستنزفة نفسها وقوتها.

تعمل المرأة في مجتمعنا للاكتفاء بنفسها، ولكنّ هذا بعيد عن الواقع، فالأجور أدنى من مستوى الاكتفاء، وأيضاً قوانين العمل غير مفعّلة بالشكل المطلوب في القطاع الخاص لتخدم مصلحة المرأة العاملة، ومن ناحية أخرى تُعامل المرأة بتمييز في كثير من مواقع العمل، ويتجاوزها صاحب العمل في كثير من الأحيان لأنها الطرف الأضعف.

تفتقر معظم بيئات العمل للمهنية، فإذا عملت المرأة في مكان تختلط فيه بالرجال فيلزمها ذلك ثقة عالية في نفسها، ووضوح أهدافها، فبعض زملائها يسقطون نظرتهم الشخصية في عمل المرأة عليها، بعيداً عن مهنية العمل، وكلما أتيحت له الفرصة يقول: أنا لا أقبل أن تكون زوجتي موظفة! إذاً لماذا تعمل أنت في بيئة مختلطة، فإذا كان المبدأ عدم الاختلاط فلا تختلط أنت كذلك، فإنك لا توجد عندك غيرة على نسائك أكثر من بقية الرجال الذين نساؤهم موظفات.

ذات مرة في شركة كان ضمن الأسئلة: لماذا تريدين العمل، فأنا أرى أن البيت هو أفضل مكان للمرأة، وكانت تجلس بجانبه زميلته التي امتقع وجهها، فهي زوجة وأم، وأخذ هو دور الواعظ الذي لا يشجع عمل المرأة، فما كان منها إلا إجابته: «إنها قدرات، وإذا كانت زوجتك عاجزة عن أخذ وظيفة، أو حضرتك تعلم أنها ليست على قدر المسؤولية وغير مؤهلة فهذا شأنك».

أحرج نفسه وأحرجني، وتحوّل ليُدافع عن زوجته، ويذكر مؤهلاتها، كان في غنى عن ذلك كله، لماذا أعطى نفسَه صلاحية إبداء رأيه الذي لم يسأل عنه في موقع عمله، هل هي مقابلة عمل أم جلسة وعظ وإرشاد، لا توجد مهنية ولا وعي لطبيعة الموقف.

إن مشكلة المجتمع تتلخص في نقطتين: الانفتاح السريع على جذور جهل، والعشوائية في كل شيء، فالمرأة تعلمت وحققت الكثير من الإنجازات، ولا تزال تجهل مشاعرها وكيفية الحفاظ عليها والتعامل مع نفسها وقدراتها، والرجل يريد زوجة متعلمة وموظفة في نفس الوقت، تكون جاهلة، ولا تملك غيره مصدراً للمعرفة والخبرة الحياتية، التي قد تفوقه بها أحياناً.

لقد ضيّعنا هويتنا، فالرجل يريد امرأة بخبرة بنت أربعة عشر عاماً، وتتحمل مسؤولية شؤونه كرجل يسانده، والمرأة حائرة لا تعرف حقوقها وواجباتها. لا أُمجد الغرب، ولكنّ ما يميز الغرب عنّا هو الوضوح في كل شيء، من المشاعر حتى القوانين، والمهنية البحتة، فلا أتوقع أن مدير شؤون موظفين أمريكياً يسأل موظفة عن طبيعة مسؤوليتها كزوجة، وما إذا كانت ترغب في الإنجاب مجدداً؟!

شرقيتنا لم تمنع النساء يوماً من مخالطة الرجال إذا اضطررن لذلك، أو كنَّ على قدر من المسؤولية والعلم الذي ينفع المجتمع، فها هي هند بنت عتبة رضي الله عنها، في معركة اليرموك انضمّت إلى جيش المسلمين، وكانت تحرّضهم على قتال الروم مع زوجها أبي سفيان، وهي تقول: «عضدوا الغلفان بسيوفكم».

والشيء بالشيء يذكر، ففي الجاهلية خضعت النساء لنمط طبقي، فتم تقسيمهن إلى حرائر، وإماء. المرأة الشريفة؛ أي تلك المنحدرة من أسرة أرستقراطية كان من حقها الاعتراض على الزواج أو القبول به، واشترطت بعض النسوة من الأسر الشريفة أن إذا أصبحن عند أزواجهن كان أمرهن إليهن، إن شئن أقمن معهم، وإن شئن تركنهم، أي أنّ حقّ الطلاق بأيديهنّ، وذلك لشرفهنّ وقدرهنّ، ومن هؤلاء: سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش، وهي أمّ عبدالمطلب بن هاشم بن عبدالمطلب، لم تكن الحرة تجبر على شيء، ولا حتى وجهة نظر مِن رجل، واضحة في مشاعرها وأهدافها.

هل أصبحنا في زمن الإماء، حتى في بيئات العمل؟
إذن هذه ليست شرقية، إنها براثن الثورة الصناعية، خلال القرن التاسع عشر في أوروبا تحررت منها نساء أوروبا بالقانون، وبقينا نحن نمارسها ليس فقط في البيوت، وإنما أيضاً في بيئات العمل.

إلا أن المرأة تستطيع مقاومة ذلك كله على قدر ثقتها بنفسها ووضوحها في مشاعرها واحتياجاتها وقدراتها، تستطيع التغلب على كثير من العقليات الجاهلية والذكورية المغلقة.

في النهاية، التفاصيل التي نتجاهلها في أنفسنا وفي علاقتنا كرجال ونساء ستُغير طبيعة التعامل وسير أهدافنا التي نرجو تحقيقها، الوضوح والمهنية والوعي في موقع العمل تجعل تجاربنا إيجابية، إنني أكنّ الاحترام والتقدير لكل زميل عملت معه وكان على قدر المسؤولية والوضوح والمهنية.


عودة الى الصفحة الرئيسية