إختر من الأقسام
آخر الأخبار
مقالات وتحقيقات
أعيش اليوم في فرنسا.. لكنَّ فيروساً مثل الكورونا أصابني في غزة من قبل!
أعيش اليوم في فرنسا.. لكنَّ فيروساً مثل الكورونا أصابني في غزة من قبل!
المصدر : أسماء الغول - عربي بوست
تاريخ النشر : الجمعة ١٤ أذار ٢٠٢٠

أتساءلُ كلَّ صباحٍ السؤال ذاته إلّا أنَّ الإجابة لم تمنع أن يمرّ يومي، أن أذهب بدرّاجتي في شوارع المدينة الفارغة بتولوز الفرنسية، أتنفسُ الهواء النقيّ، تختفي الآلام، إذن هي بضع عضلاتٍ ليست سعيدةً بمَرتبتي.

أقود الدرّاجة أراقب ما حولي كأنّي أرى كلَّ شيءٍ أول مرة، أو كأنّني أستعيدُ تاريخ مدينةٍ أخرى، كيف يمكن للأحداث الكبرى أن يعيدها التاريخ متطابقةً تماماً لكن في مكانٍ آخرٍ وزمنٍ آخر.

غزة في حرب صيف 2014 اختفى الناس من الشوارع، كنت أمشي وحيدةً أيضاً ذاهبةً إلى المكتب وأعود وحيدة، أراقب المباني، طول الشوارع الممتدّة كأفاعٍ، لا يوجد ما قد تكتشف جماله في الحرب.

أقارن بين رعب الأمس ورعب اليوم، تلك الأيام كنّا نرى الصواريخ، الطائرات الحربية، نرى الجروح والدماء..اليوم الصواريخ صامتة، لا لون لها، لا صوت ولا أثر، من الممكن أن تكون في كلّ شيءٍ تحسبه عادياً كهاتفك النقال، على أعمدة الحافلة الحديديَّة الرفيعة التي تمسكها حتى لا تقع، في ملابسك، على أكياس الشيبسي والشوكولاتة والعصائر التي تشتريها لأبنائك كي يتحمّلوا أسبوعين من الحجر المنزلي.

لا يوجد من تكيل اللعنات عليه، عدوك متخفٍّ، غير مرئيّ، ولن يكون مرئيّاً، لذلك استحالة مواجهته، إنّه في لحمك ودمك وخلاياك، يصبح جزءاً منك حتى يقتلك، ليس خارجك، ليس مدجّجاً بالقنابل، ولا يهيل الأبراج السكنية، ويقصف الدراجات النارية، إنه يقصف صدرك وحدك، رئتيك وحدك بصمت، يحاربك، يقاتلك، يفتك بك دون أي “بوووم” واحدة فتشجع نفسك لترفع معنوياتك.

أراقب المآسي التي تحصل في البلدان المجاورة بأوروبا ومدريد وألمانيا، أكلم صديقتين أصيبتا بالفيروس، الأولى في إيطاليا والثانية في ألمانيا، تسلّل إليهما ولا تعرفان كيف، لا تغادران السرير، لكنهما مفعمتان بالأمل والإيمان.

أحدثهما كأنّي أحدث كائناً آخر معهما، كأنّي أحدث “الفيروس” ، كأنّي أريد أن أقضي عليه عبر “الماسنجر”، أتذكر “الأيلينز” تلك الكائنات التي كانت في مسلسلات الفضاء، وتحمل في بطنها وحوشاً صغيرة.

لكن أليس كل الأمراض بدأت كوحوشٍ صغيرةٍ داخلنا، “الإنفلونزا”، “الحصبة”، “الحمّى الشوكيّة”، وغيرها من الأمراض، ألم تحصد الآلاف قبل أن يكتشف الإنسان ترياقها، أليس هذا تاريخ الإنسان مع العلم والأمراض، وسعيه الدؤوب لإنقاذ أخيه الإنسان؟ أليس هذا عقل الإنسان الذي تغلّب على آلاف الأساطير والعواطف كي يبقينا أحياء؟ كلّ ما في الأمر أنّنا اعتقدنا أنّه في هذا العصر مع هذه التكنولوجيا تخلصنا من كل المخاطر والأمراض، والمفاجآت التي تأتينا من الطبيعة وسيطرنا على الكون، ولم يتبقَّ سوى مواجهة الصراعات والحروب التي يصنعها الإنسان بيده، لكن تصدمنا أنّ البدائيّة تبدأ من الصفر، نعم الإنسان يرجع ليكون بدائياً حين يصيبه وباءٌ موحد، بدائية المرض والعلاج، بدائية السلوك، بدائية البحث عن نجاة أو “ورق تواليت”، بدائيّة أن لا مكان في المستشفى للمرضى.

ربما لو ما حدث كان في البلاد الفقيرة وحدها، فسنحيل كلّ شيء للفساد، والفقر ونقص الرعاية الطبية، ألم نأخذ منذ زمن في المناهج الدراسيّة أنّ قياس الأمم المتقدمة يكون بقلة أعداد الوفيات، كان سيمر الخبر كأيّ مأساةٍ أخرى تحدث هناك، لكن ما يجعل العالم يعيش في ذهول أنّ هذه الكارثة عصفت بدول المال والرفاه الاجتماعيّ، لذلك فإنّ البدائيّة هنا تبدو مضاعفة، تبدو غريبة حتى على من يعيشون في دولٍ فقيرة، وكأنّهم توقّعوا أنَّ أوروبا لن يصيبها هذا يوماً، لن تعيش أيامهم وأحوالهم، لكن هذا ما يحدث وهو ليس محل سخريّة أو تشفّ بل محل دعاءٍ للإنسانية جمعاء، فهي ببساطة ذات الدول التي تتيح لها إمكانيات البحث العلميّ أن تسابق الزمن لتجد العلاج، وستتعلم من أخطاء الحاضر الذي سيصبح ماضياً؛ لتعير القطاع الطبيّ اهتماماً أكبر.

آمنت لفترة طويلة بمقولة توماس هوبز “الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان”، ربما لسبب ما رأيته في ثلاث حروبٍ في غزة وحصارٍ طويلٍ وسط عدم اكتراث الإنسانية، بقيت مقولة دكتوري في الجامعة ترنُّ في أذني لسنوات “الإنسانيّة كذبة يا أسماء”، ربما قسوة التجربة تُعرّيك من فلسفتك الكبرى، لكنّي اليوم ألمسُ أنّ الإنسانَ إنسانٌ لأخيه الإنسان، عذراً على التكرار لكنّها هكذا ببساطة.

لم أرَ عطفاً كما يحدث اليوم، اتركونا من الرؤساء والقادة، اتركونا من عقدة “الخواجة” أو الرجل الأشقر، لكن من منّا لم يشعر بقبضة قلبه وهو يرى سيارات الجيش الإيطاليّ تنقل مئات الجثث استعداداً لحرقها، أو حين رأى صورة المسن الصينيّ حين أخذه الطبيب ليرى غروب الشمس في باحة المستشفى؟ إنّنا نعيش جميعاً اليوم تحت تهديد عدو لا نراه لكنّه يحصد أحباءنا جثثاً، ولن نرى وجوههم ثانية، وسنبقى نتذكّر آخر لقاءٍ بيننا إلى الأبد.

ربما ستذهب كلُّ هذه العواطف بمجرد أن ينتهي الوباء، ونعود إلى صراعنا الحضاريّ أو الدينيّ أو الإمبرياليّ كما تريد أن تسمّيه سمّه، لكن هذه اللحظة تجمعنا ضد المجهول، تماماً كما الحرب، كان الكره يصل أَوْجه فتأتي الحرب لتشفي جراح القلوب، تبكي الناس بعضها بحرقةٍ على الرغم من أنّ أعلام الأحزاب فرّقتها دوماً، تشفق على غيرها من صاروخٍ أصابها رغم أنّ أحدها يكون قد سبّب عاهةً للآخر في اقتتالٍ سابق، إنّ هناك داخلنا لما هو أكبر من الأديان والأحزاب والطبقات.

سذاجة؟ نعم ربما، خاصة حين أحاول شراء كمامة منذ أسبوع ولا أجد من يبيعني إيّاها، حين تبتعد عني تلك الشقراء مسافة مترين في صيدليّتها لتناولني “الفيتامينات”، لكنها تمزح مع شقراء أخرى وتأخذ منها “الروشتة” دون حماية، بالتأكيد ليس شعري الأسود هو السبب، وليست لكنتي المضحكة، لا أريد أن أؤمن بذلك، لأنَّ كلَّ شيءٍ سيمر.. سيمر ويبقى الأسى الشخصيّ الفادح، العزلة المقيتة، المرض الذي يتركك ضعيفاً، خائر القوى، كل هذه التباينات والأفكار المُسبقة عن شكلك وهويتك لم يعد لها مكانٌ الآن.

إنّ الخوف الكبير في الوقت الحاضر من عاداتك التي كانت يوميّة، كأن تتنفس الهواء، أن تتحدث مع الآخر أو تقترب منه، الخوف من التفاصيل الحميميّة العاديّة كالمصافحة، كالنظر في العينين، هذا الخوف الكبير يسحب منك كلّ المخاوف السابقة، كلّ الجروح التي تبدو صغيرةً وسطحيةً أمام ما يحدث الآن، فلم يعد فقدان الحبيب مهماً، كذلك درجاتك التعليميّة، أو خشيتك من العنصريّة، وخوفك من التقصير بالعمل، لم تعد شيئاً أمام خوفك من أن تلمسَ باب السوبرماركت، كيس البقالة، تصعد إلى الحافلة أو المترو، كلّ شيء يحدث يحثُّ على العزلة الفرديّة إلى أقصاها، فأشعر أنّني جزء من فيلم عن المستقبل وأنا في طابورٍ أمام “الكاشير” الذي يضع أمامه زجاجاً عازلاً ويرتدي قفازين وكمامة، وكذلك أنا ومن خلفي الذي يبعد عني متراً يحدّده خط أحمر على الأرض، ومن خلفه، وهكذا.

كنت أعتقد أنّني خبرت كل ما سيحدث في العالم، أي أنَّ سنواتي الماضية أعطتني تجربةً جعلتني أُوقن ما الذي سيحدث أو كيف، كانت أسئلة الناس تنهال على صفحتي في “الفيسبوك” عند كلّ تصعيدٍ عسكريّ في غزة تعطيني مزيداً من الثقة بإحساسي، هل هذه حرب؟ متى ستنتهي؟ ماذا تعتقدين أنّه سيحدث؟ وهكذا، وغالباً إجاباتي تكون بمحلها، حدسي بالعالم لم يخِب يوماً حتى حين بادرت في الثاني من أغسطس/آب 2014، وأجبرت السائق على أن يقود بنا إلى مدينة رفح التي تقطّعت معها الطرق خلال هجمةٍ انتقاميةٍ من العدو الإسرائيليّ، كنت أعرف أنّني سأخرج بقصةٍ ولن نموت.

لكن اليوم أشعر بالخداع، نعم، حدث ما لم يتوقعه أحد، باغتنا الفيروس في عز بحثنا عن الحب والاستقرار، وبداية الرضا بالحياة الجديدة في الغربة، فجأة شعرنا بالتيه، الضباب، كيف يمكن للقدر أن يتكرر مرتين معك.. ألم يقل غسان كنفاني “العمر لا يتسع لكذبتين كبيرتين؟” كيف يكون قد خدعنا الوطن وخدعتنا الغربة معاً؟ .

هذه الثقة التي تشبه ثقة “ترامب” ثقةً كاذبةً، مضحكةً، يعقبها مأساة، تبدّدت لديّ بمجرد أن دخلت مدرسة ابنتي كي آخذ كتبها بعد قرار إغلاق كلّ شيء. المدرسة فارغةٌ تماماً، امرأة واحدة مهمتها تسليم متعلقات الأطفال الأخيرة، دخلت صفها، ذلك كرسيّها الخشبيّ، يا إلهي.

ذاته الكرسيّ الخشبيّ البيج، ذاته الفراغ الذي كان في مدرسة ابني بغزة في 2008 حين ذهبت إلى فصله أبحث عنه في المدرسة بعد بداية القصف الإسرائيليّ الجويّ المباغت في أول لحظات الحرب الأولى، اهتززت من داخلي، وعدت إلى ذات السؤال الأول كيف يمكن أن يتكرر التاريخ؟.

حرب هنا وحرب هناك.. تلك حرب نزفٍ وتدميرٍ وانفجارات، وهذه حرب الهواء والصمت إلّا أنّه ذات العجز، ذات اللحظة التي تركت بعض العائلات أبناءها يحتضرون على الطريق بعد إصابتهم وهم يهربون في هجوم الاحتلال على شرق مدينة خانيونس في 2014، والآن في هذه الحرب نترك أبناءنا لمصيرهم في المستشفيات، إمّا أن تنجو الرئتان أو يلفظوا النفس الأخير، ولا توجد حتى تلويح وداع، فمن لم يمُت بالحرب. .مات بالكورونا! أو نجا من كليهما.