قانون رفع السرية المصرفية "حبر على ورق" والسبب غياب الإرادة السياسية!
لا يزال الجدل قائما حول تطبيق قانون السرية المصرفية، الذي صدر منذ أكثر من ثلاث سنوات بتعديلاته الجديدة (تشرين أول 2022) من قبل مجلس النواب، للبرهان عن إلتزام لبنان بالإصلاحات المطلوبة لتوقيع إتفاق مع صندوق النقد الدولي. النقاش يتعلق تحديدا متى سيبدأ تطبيق هذا القانون، الذي من شأنه أن يكشف العديد من "مغارات الفساد" التي إبتلعت أموال المودعين(إجراء تدقيق جنائي، بحسابات من تدور حولهم شكوك بالفساد وهدر المال العام)، بعد أن قامت وزارة المالية وحكومة الرئيس نواف سلام بواجباتها وأصدرت المراسيم التطبيقية، في حين أن الخبراء يعتبرون أن"القانون نظريًا يفتح الباب للتحقيق والمراقبة وضبط الأموال المشبوهة، لكن المشكلة عمليا في غياب الإرادة السياسية لتطبيقه، ولذلك القانون بقي "حبرا على ورق" إلى الآن.
لإعطاء صورة أوضح عن سبب النقاش الحاصل، لا بد من الإضاءة على التغييرات التي يمكن أن يحدثها تنفيذ القانون، والأطراف الذين سيطالهم تطبيقه وجميعهم لهم علاقة بالإنهيار المالي. فقانون رفع السرية له علاقة بتطبيق قانون إصلاح المصارف والفجوة المالية، وكشف الودائع غير المشروعة وغير المؤهلة وشطب جزء من الفوائد، كما أن التدقيق في التشابكات بين مصرف لبنان والمصارف يتطلب كشف السرية ( هندسات مالية)، والتدقيق بمليارات الدعم وتطبيق شروط مجموعة العمل الدولية لإزالة لبنان عن اللائحة الرمادية، وكشف التحويلات إلى الخارج بعد 17 تشرين، جميعها يتطلب تطبيق هذا القانون.
الفحيلي: لا نفتقر الى القوانين بل للآليات التنفيذية والارادة السياسية
إذا القانون له مروحة تشعبات تطال الواقع السياسي والمصرفي، وفي هذا الإطار يشرح الخبير المالي الدكتور محمد الفحيلي ل"ليبانون ديبايت" أن "عند الحديث عن رفع السرية المصرفية لمصلحة مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، يجب الأخذ بعين الإعتبار أن أغلبية إن لم نقل كل الحسابات المصرفية، تم رفع السرية المصرفية عنها لمركزية الحسابات لمصرف لبنان"، مشددا على أنه "يجب التفريق بين مركزية الحسابات ومركزية المخاطر، لأن السرية المصرفية مرفوعة حُكما عن هذه الأخيرة، في حين أن مركزية الحسابات تحتاج إلى توقيع صاحب الحساب. وفي الفذلكة القانونية، كل التعاميم التي صدرت عن مصرف لبنان، التي تشرّع سحوبات من حسابات مكوّنة أصلا بالدولار المحلي، فرضت على المستفيد(صاحب الحساب)، أن يوقّع على طلب رفع السرية المصرفية عن حسابه لصالح مركزية الحسابات".
يضيف:"حين طلب صندوق النقد الدولي تعديل السرية المصرفية، كان الهدف منه تسهيل وتهيئة الأرضية القانونية لإجراء تدقيق جنائي، بحسابات من تدور حولهم شكوك بالفساد وهدر المال العام وحسابات المصارف ال14 الكبرى، إضافة إلى حسابات في مصرف لبنان، وإقرار تعديلات في قانون السرية المصرفية، من دون أخذ أي خطوة بإتجاه تدقيق جنائي في هذه الحسابات، معناها أنها التعديلات التي أُدخلت على القانون هي لزوم ما لم يلزم"، مشددا على أن "هذا ينطبق أيضا على القانون 44 /2015، أي قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب الذي كان تعديله بالإتفاق ومباركة مجموعة العمل المالي، وبدل أن يكون لدينا 3 جرائم مدرجة على القانون 318، أُستبدل القانون نهائيا بقانون 44 /2015 وتم إدراج 21 جريمة مالية. هذا القانون هو من أوصلنا الى اللائحة الرمادية ولائحة الدول العالية المخاطر في الاتحاد الاوروبي".
ويخلص إلى القول:"إنتقادات الاسرة الدولية تجاه الدولية اللبنانية، سببها هذه القوانين التي تبقى حبرا على ورق. نحن لا نفتقر الى القوانين بل الآليات التنفيذية والارادة السياسية، لتطبيقها من أجل محاربة الفساد، إذ يرفع التعديل الجديد على القانون، الغطاء الذي كانت توفّره السرّية المصرفية للمسؤولين المتورّطين في الإثراء غير المشروع، أو التهرّب الضريبي أو تبييض الأموال، ويوسّع صلاحيّة الجهات الرقابية والقضائية والإدارية في طلب كشف الحسابات المصرفية"، مشددا على أنه "لا ينعزل القانون المعدّل عن الإطار التشريعي لمكافحة الجريمة الماليّة، بل يستند بوضوح إلى قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الرقم 44 الصادر بتاريخ 24/11/2015، الذي يذكره صراحة في أكثر من موضع منها في المادّة السابعة، عند السماح للمصارف بالكشف عن معلومات للجهات المختصّة في إطار التحقيقات الماليّة، وفي المادّة الثامنة، عند تحديد العقوبات على من يمتنع عن تقديم المعلومات المطلوبة".
و يرى الفحيلي أنه "على الرغم من أهمّية التعديل، فعّاليّته مرهونة بثلاث عناصر أولها الإسراع بإصدار المراسيم التطبيقية التي توضح آليّات العمل وتضمن عدم التسويف، وثانيها تعزيز استقلالية الجهات الرقابية ومنحها الإمكانات التقنية والبشرية اللازمة، وثالثها تفعيل التنسيق بين القضاء والإدارات الضريبية وهيئة مكافحة الفساد، بما يضمن التنفيذ الشفّاف وغير الانتقائيّ للقانون"، جازما بأن "يبقى التحدّي الأكبر هو في الإرادة السياسية لتطبيق القانون فعليّاً، لا تركه حبيس الأدراج كغيره من النصوص "الجميلة" التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ. فالقانون بحدّ ذاته لا يكفي، بل المطلوب أن يشكّل بداية مسار جديد في الحوكمة الماليّة".
أبو سليمان:لا نية لأي إصلاح فعلي
بحسب الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان "هذا التأخير يفرغ القانون من مضمونه، ويعطل أدوات التدقيق الجنائي، ويترك ملف استعادة الاموال العالقة بلا اطار عملي. والمستفيد واضح: كل من يفضل بقاء نظام المعلومة المصرفية ضبابيا وغير قابل للتتبع، لأنه من دون هذه المراسيم، لا يمكن الحديث بجدية عن اصلاح، ولا عن حماية المودعين، ولا حتى عن شفافية مالية".
ويعتبر أن "المصيبة الأكبر أن هذا التأخير يرسخ إنعدام النية في أي إصلاح فعلي، ويترك المودعين في مواجهة أزمة بلا قواعد واضحة ولا جهة تحمي حقوقهم. ويسأل "كيف يمكن إقناع الناس بأن هناك "إصلاحا" بينما أبسط خطوة تنظيمية ما زالت عالقة في الأدراج؟ القانون موجود لكن البنية التنفيذية غائبة وهذا هو جوهر".
تجدر الاشارة إلى أن أن أهمّ التّعديلات التي جاء بها القانون هي :
1. توسيع الجهات المخوّلة طلب كشف السرّية المصرفية:
• القضاء المختصّ (بدعاوى الفساد، الإثراء غير المشروع، الجرائم المالية…).
• هيئة التحقيق الخاصّة بموجب قانون تبييض الأموال.
• الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
• الإدارة الضريبية لأغراض التدقيق ومكافحة التهرّب.
• مصرف لبنان، لجنة الرقابة، المؤسّسة الوطنية لضمان الودائع، بهدف إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
2. إلغاء الحسابات المرقّمة والخزائن الحديدية غير المعروفة الملكيّة.
3. فرض عقوبات صارمة على:
• من يفشي المعلومات المحميّة.
• من يمتنع عن تقديم المعلومات.
• المصارف التي ترفض التعاون تُحال إلى الهيئة المصرفيّة العليا.
4. تمكين الجهات الرقابية من الحصول على المعلومات دون الحاجة إلى تحديد العميل أو الحساب، مع حقّ الاعتراض أمام القضاء.
5. نصّ صريح بعدم جواز استخدام السرّية المصرفية ذريعةً لعرقلة واجبات الجهات الرقابية.