ديوان المحاسبة يتمدد… والعدالة تتقلص: هل دخل لبنان زمن المحاسبة الانتقائية؟
منذ سنوات، لم يعد ديوان المحاسبة في لبنان مجرد “جهاز رقابي” يتحقق من سلامة الإنفاق العام وفق الأصول، بل بات، وفق تطورات اجتهادية متسارعة، لاعبًا سياسيًا ـ قضائيًا قادرًا على قلب المعادلات، وإنتاج وقائع محاسبية تُترجم أرقامًا ضخمة وقرارات “تحصيلية” بملايين الدولارات. هذه النقلة لم تعد تفصيلًا تقنيًا، بل تحوّلًا يمسّ مباشرة مبدأ الفصل بين السلطات ويطرح سؤال الشرعية: هل نحن أمام تطور طبيعي في الاجتهاد، أم أمام قفزة توسّعية فتحت الباب أمام رقابة مسيّسة لا ضابط لها؟
التطور الأكثر حساسية تمثّل بقرار الديوان تمديد اختصاصه ليشمل محاكمة الوزراء أنفسهم، معتبرًا أنهم مشمولون بمفهوم الموظفين العامين، وأن له الحق في ملاحقتهم من دون الالتزام بالإجراءات الخاصة لمحاكمة الوزراء كما حددتها المادة 70 من الدستور. وبذلك، يكون الديوان قد منح نفسه مسارًا بديلًا عن المسار الدستوري، وفتح بابًا واسعًا لمحاسبة الوزراء بمعايير “رقابية قضائية” خاصة به.
هذا التحول بدأ فعليًا منذ 24/9/2020، في سياق ملاحقة وزير المالية السابق محمد الصفدي على خلفية تلزيم مشروع إقامة جسور في البحصاص – طرابلس. يومها، طعن الصفدي بالقرار أمام مجلس شورى الدولة، إلا أن المجلس انتهى إلى تثبيت صلاحية الديوان، معتبرًا أن رقابته “مطلقة” ولا تنحصر بالموظفين، بل تشمل أيضًا كل من هو “بحكم الموظف” ويتدخل بإدارة أو استعمال أو قبض أو دفع الأموال العمومية أو يساهم في الأعمال التحضيرية لها، وذلك “دون إذن ملاحقة مسبق”، ما يعني عمليًا إسقاط أي حصانة إدارية مرتبطة بهذا النوع من الملاحقات.
ويستند هذا التوجه، وفق مجلس شورى الدولة، إلى المادة 112 من قانون المحاسبة العمومية التي تنص على أن الوزير مسؤول شخصيًا من أمواله الخاصة عن أي نفقة يعقدها متجاوزًا الاعتمادات المفتوحة لوزارته مع علمه بذلك، وكذلك عن أي تدبير يؤدي إلى زيادة النفقات إذا لم يكن ناتجًا عن أحكام تشريعية سابقة.
لكن المفصل الأخطر يبدأ هنا: لماذا لم تظهر هذه الصلاحية إلا في العام 2020 رغم عدم صدور أي تعديل تشريعي يغيّر صلاحيات الديوان؟ ولماذا لم يعتمد الديوان هذا التفسير قبل ذلك التاريخ؟ هذا السؤال يفتح علامات استفهام جدية حول شرعية اجتهاد غير مسند إلى تغيّر في النصوص، ويطرح مخاوف من مساس مباشر بمبدأ الفصل بين السلطات، وبخاصة أن الدستور نفسه وضع آلية واضحة لمحاكمة الوزراء في المادة 70.
والأخطر أيضًا أن ازدواجية ملاحقة الوزراء أمام ديوان المحاسبة وأمام المجلس النيابي بالنسبة للمخالفة نفسها قد تصطدم بمبدأ “non bis in idem” الذي يمنع ملاحقة أو الحكم مرتين على الفعل ذاته. فإذا أصبح الوزير معرضًا لمسارين متوازيين، تتحول العدالة من معيار ثابت إلى “آلة ضغط” قابلة للاستخدام.
ولا يقف الإرباك عند هذا الحد، إذ إن هذه الصلاحية المستحدثة التي أعطاها الديوان لنفسه لا يتفق عليها حتى القضاة الماليون أنفسهم، حيث رفض المدعي العام لدى الديوان ومعه غرف عديدة الاعتراف بها أو استعمالها. وهذا الانقسام يضرب فكرة الأمن الرقابي والقضائي، ويُنتج استنسابية تقوض مبدأ المساواة أمام العدالة: كيف يمكن لمنظومة أن تزعم العدالة فيما قواعدها تختلف من غرفة لأخرى؟
ثم جاءت “القوة النارية” الجديدة عبر القانون رقم 329 الصادر بتاريخ 4/12/2024، الذي عدّل قانون تنظيم ديوان المحاسبة، فارتفعت الغرامات التي يمكن للديوان فرضها على الموظفين والوزراء 10000 ضعفًا. وهذه ليست مجرد مضاعفة رقمية يمكن تبريرها بانهيار العملة، بل تغيير جذري في طبيعة رقابة الديوان التي باتت أقرب إلى رقابة سياسية وجزائية بفعل مبالغ هائلة لا تتناسب مع المفهوم القانوني للغرامة. وبذلك، صار الديوان يمتلك سلاحًا ماليًا قادرًا على تحويل الغرامة من ردع إلى “سحق”.
وتزداد الخطورة لأن هذه الصلاحية غير مسندة إلى معايير موضوعية واضحة، ولأنها غير مرتبطة بأي مهلة محددة. إذ إن الديوان حدد منطلق سريان مهلة الملاحقة بصورة استنسابية تقوم على أنها تبدأ من التاريخ الذي يقرر فيه الديوان أنه “علم” بوقوع المخالفة. وهنا يتحول عنصر الزمن من ضمانة قانونية إلى أداة انتقائية: متى يعلم؟ وكيف يعلم؟ ومن يحدد لحظة العلم؟
عمليًا، هذا النوع من الرقابة المتسرعة وغير القابلة للاستشراف قد يؤدي إلى شلل إداري كامل، فيتقاعس الموظفون والوزراء عن اتخاذ أي قرار خوفًا من مساءلة مبهمة ومعايير متبدلة. وقد عبّر كتاب وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال يوسف خليل عن هذا الخطر بوضوح، معتبرًا أن التعديل جاء بمثابة “إعدام للموظف النشيط” ومكافأة للموظف الذي لا يعمل، لأن أي خطأ بسيط قد يعرّض الموظف لغرامة لا تقل عن 1.5 مليار، أي ما يفوق رواتبه السنوية، في مخالفة صارخة لمبدأ التناسب بين الأجر والعقاب.
لكن لماذا تتضخم شبهة “التسييس” أكثر عند الحديث عن ملف الاتصالات تحديدًا؟
لأن قرارات الاتصالات استندت أساسًا إلى “التقارير الخاصة” التي ينظمها الديوان بموجب المادة 52 من قانون تنظيمه، في وقت لا يحدد القانون كيف تُفعل هذه الرقابة ولا من يملك حق المبادرة إليها ولا المعايير المعتمدة لاختيار القطاعات التي تشملها. وعند التدقيق في الممارسة، يظهر أن هذه التقارير غالبًا ما صدرت بمبادرات من رئيس الديوان أو رؤساء غرف، من دون خطة أولويات واضحة أو برمجة متفق عليها داخل الهيئة العامة، بحيث بات التبرير الوحيد نجده في مقدمات التقارير نفسها.
حتى عندما برر الديوان تقرير الاتصالات رقم 2/2022 بـ”أهمية القطاع كمصدر تمويل للخزينة وخفض الدين العام وكونه بندًا من أجندة الإصلاح”، بقي السؤال قائمًا: لماذا الاتصالات تحديدًا؟ وما هي المعايير التي جعلت هذا القطاع أولوية دون غيره؟ ومع غياب هذه المعايير، تصبح التقارير عرضة لاتهامات الانتقائية والاستهداف.
ولأن التقرير يصدر من إحدى غرف الديوان بموافقة رئيسه الذي يتولى تبليغه للجهات المعنية، فإن ذلك يمنح رئيس الديوان سلطة إضافية في إصدار التقارير أو عدم إصدارها، بما يعزز مخاطر الشخصنة، ويتعارض مع الممارسات الدولية الفضلى التي تفترض إقرار التقارير من الهيئات العامة لأجهزة الرقابة العليا.
أما الأخطر، فهو أن بعض التقارير لم تعد مجرد تقييم لحسن إدارة الشؤون العامة، بل خصّصت مساحة لمسؤوليات فردية، بما يجعلها أقرب إلى “مضبطة اتهام جاهزة” بحق أشخاص محددين، خصوصًا مع اعتماد بعض غرف ديوان المحاسبة هذه التقارير كأساس لقرارات مؤقتة بحق موظفين ووزراء، كما حصل في ملف مباني “تاتش”. وهنا يعود السؤال الجوهري: هل من المقبول أن تنتج تقارير رقابية نتائج ذات طابع شبه جزائي من دون ضمانات محاكمة عادلة؟
وفق هذه الصورة، تتشكل الخلاصة: اجتهاد مستحدث منذ 2020 بلا تعديل تشريعي، تضخم غير مسبوق للغرامات بعد قانون 329/2024، غياب معايير واضحة في التقارير الخاصة، وانقسام داخل الديوان نفسه… كلها عناصر تجعل قرارات كثيرة قابلة للقول إنها تحمل طابعًا مسيسًا، وأن الرقابة تحولت من ضمانة للمال العام إلى أداة ضغط.
لكن ما يرفع منسوب الخطورة أكثر، هو انعكاس هذا المسار على السياسة. ففي قراءة “التيار الوطني الحر”، ما يحصل لم يعد ملفات منفصلة، بل عملية ممنهجة تقوم على اختيار أهداف محددة، تكثيف الضغط عليها، ثم تقديم ذلك للرأي العام كأنه “إصلاح” بينما هو توظيف للرقابة في لحظة سياسية بعينها.
ضمن هذا السياق، يعتبر التيار أن المدير العام السابق لكازينو لبنان رولان خوري كان الضحية الأولى، بعدما تحولت قضيته من ملف قضائي إلى منصة اشتباك سياسي وإعلامي أعطت انطباعًا بأن المقصود ليس شخصًا فقط بل فريقًا سياسيًا. ثم جاءت قضية نقولا صحناوي كضحية ثانية، ولكن هذه المرة عبر البوابة الأخطر: بوابة ديوان المحاسبة وسندات التحصيل بالملايين. قرار لا يبقى في حدود نقاش، بل يتحول إلى عبء مالي مباشر وإلى “حكم” جاهز في نظر الرأي العام، قبل حسم الجدل حول الاختصاص وقواعد المحاكمة العادلة وسبب فتح ملف هنا وتأجيل ملف هناك.
وعندما تتكرر التجربة مع أسماء محسوبة على الفريق نفسه، يصبح السؤال الأساسي: هل نحن أمام محاسبة تطال الجميع بالمعيار نفسه، أم أمام انتقائية تُنتج “ضحايا” وتختار توقيت الضربة وأداتها؟ وهل المطلوب حماية المال العام، أم تحويل المال العام إلى عنوان مرن لتعديل الموازين؟
في النهاية، إذا كانت الرقابة بلا معايير ثابتة ولا خطة أولويات معلنة ولا ضمانات محاكمة عادلة، فإن الخطر لا يقف عند “التيار” ولا عند صحناوي أو خوري. الخطر يصبح دولة تملك أدوات عقاب هائلة، لكنها لا تملك ميزانًا واحدًا لقياس العدالة. ومن هنا، يفرض السؤال نفسه: من يراقب الرقابة عندما تتحول إلى سلطة تتجاوز وظيفتها وتقترب من دور القاضي السياسي؟