بعد إعلان لماكرون... هل يحذو لبنان حذو فرنسا؟
في خطوةٍ لافتة، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تسريع مشروع قانون جديد لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 15 عاماً، في خطوة تهدف إلى حماية الصحة النفسيّة للأطفال من الآثار السلبيّة التي قد تتركها هذه المواقع على تركيزهم وتطورهم. وتُمثّل هذه الخطوة دعوة لتنبيه دول أخرى، بما فيها لبنان، حيث تُشير الأرقام إلى انتشار مكثف للتواصل الاجتماعي بين فئات عمرية صغيرة.
يأتي قرار ماكرون في ظل قلق عالميّ متصاعد من تأثيرات استخدام الشبكات الاجتماعية على الأطفال والمراهقين، وتُشير الأبحاث إلى أنّ الأطفال يبدأون استخدام الإنترنت منذ عمر 5 سنوات تقريباً، وتزداد ساعات الاستخدام مع التقدّم في العمر، وهو واقع مثير للقلق من تعرض الأطفال للمحتوى السيء من دون رقابة.
وفي هذا السيّاق، تشرح الاختصاصيّة في علم النفس العيادي والمعالجة النفسية ريتا أسمر أنّ "مواقع التواصل الاجتماعي تُدخِل الى أدمغة الأطفال معلومات وصور وفيديوهات هم ليسوا مُستعدين لاستيعابها، وكأنّ هذه المواد تقتحم براءة الأطفال، والأمر أشبه بتعدٍّ على الطفولة"، مُشيرة، في مقابلة مع موقع mtv، الى أنّ "التواصل مع أشخاص غريبين، بالإضافة الى العنف والرسائل المبطّنة في هذه المواد تنعكس خوفاً وقلقاً وأفكاراً غريبة لدى الأطفال، ففي هذه الفئات العمرية لا يعرفُ الأطفال كيف يتخلّصون من هذه الأفكار وانعكاساتها النفسيّة والسلوكيّة عليهم".
وتُضيف الأسمر: الأطفال الذين ليس لديهم أيّ تحصين عائلي في منازلهم عاطفياً وفكرياً وعلى صعيد الثقة بالنفس، هم الأكثر عرضة للتأثّر بما يشاهدونه ويسمعونه على مواقع التواصل الاجتماعي، أمّا الأطفال الذين يحظون بإحاطة عائليّة، فيمكنهم مواجهة ما قد يتعرّضون له، لافتةً الى أنّ "التعرّض لمواد سيئة على مواقع التواصل الاجتماعي قد يدفع الإطفال لانتاج موادٍ مماثلة للحصول على الانتباه الذي ينقصهم في كنف عائلاتهم".
الخطوة الفرنسية نحو حظر منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون 15 عاماً ليست منعزلة عن توجه عالمي أوسع، بل إنها جزء من تحوّل تشريعي دولي في تنظيم الفضاء الرقمي للأطفال، وكانت أستراليا السباقة في هذا المجال مع منع رسمياً الأطفال دون 16 عاماً من إنشاء حسابات على الشبكات الاجتماعية، ممّا أجبر شركات مثل "ميتا" على إزالة ملايين الحسابات تحت سنّ 16.
وأمام هذا الواقع، تقول أسمر "عددٌ كبير من الدّول بات يعي مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي على أدمغة الأطفال، ولكن تجدر الإشارة أنّ المراهق في عمر الـ15 عاماً قد لا يكون محميّاً بشكلٍ كامل من هذه المخاطر، ولكن رفع السنّ هو أفضل من عدم التحرّك مُطلقاً"، معتبرةً أنّ "دور الأهل والمدارس كبير على صعيد التوعية، وينبغي على المدارس بشكلٍ خاصّ توعية الأطفال والأهل على حدٍّ سواء حول المخاطر".
في لبنان، وعلى الرغم من معدل انتشار الإنترنت المرتفع، لا يوجد حتى الآن أي إطار قانوني واضح لتحديد سنّ الاستخدام أو آليات تحقّق العمر على المنصات الرقمية، ما يترك الباب مفتوحاً أمام التعرض لمحتوى غير مناسب، بالإضافة الى اضطرابات نفسيّة أو اجتماعيّة لدى الأطفال والمراهقين. وعن الواقع اللبناني، تتحدّث الأسمر عن "زيادة في القلق لدى الأطفال في العيادات، فالكثير من الأطفال تعرّضوا للتنمّر الالكتروني ما ترك تداعيات نفسية خطيرة في نفوسهم"، آملة "أن يُطبّق هذا القانون في لبنان لكي نحمي أطفالنا ونُبعدهم عن الإدمان على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي".
يسبح الأطفال في لبنان في بحر من المخاطر الكبيرة في هذا العصر "المُنفتح"، وأمام هذا الواقع الخطير يجوز السؤال: لماذا لا نستفيد من التجارب العالميّة؟ ولماذا لا نضع قواعد واضحة لحماية أطفالنا قبل أن تفتك هذه المنصّات بعقولهم ونخسر جيلاً بأكمله؟