عودة الاحتلال؟... وعودة لبنان إلى ما قبل العام 2000!؟
بغضّ النظر عن حجم المساحة الجغرافية التي عادت لتقع تحت قبضة الاحتلال الإسرائيلي، إن عبر التواجد العسكري المباشر، أم عبر السيطرة بالنار عن بُعد، يمكن القول إنّ جزءًا مهمًّا من الشريط الحدودي السابق صار مُحتلًّا من جديد، ولم يعد بإمكان أهالي هذه القرى والبلدات المَعنيّة العودة إلى منازلهم. فما هي الخيارات لاسترداد هذه المناطق؟
التجربة الحديثة غير مُشجّعة، لأنّه بعد دُخول اتفاق "وقف الأعمال العدائية" حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني 2024، والذي كان ينصّ في أحد بنوده على انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي خارج كل الأراضي اللبنانية، رفضت إسرائيل إخلاء ما عُرف بالنقاط الخمس، تحت ذريعة ضرورة سحب سلاح "حزب الله" أوّلًا. وهي ترفع اليوم الشعار نفسه للاحتفاظ بما مجموعه 15 موقعًا عسكريًا مُستحدثًا، ناهيك عن السيطرة العملاتية المباشرة أو بالنار على مجموعة واسعة من القرى والبلدات الجنوبية الحدودية، بما يوازي ٍأكثر من خمسة في المئة من مساحة لبنان الإجمالية. وتذهب إسرائيل أبعد من مطلب سحب سلاح "الحزب" هذه المرّة، بالحديث عن تمسّكها بما تُسمّيه "منطقة أمنيّة عازلة" بحجّة توفير حماية مُستدامة لسُكان المُستعمرات الشمالية.
وفي ظلّ هذا الواقع الصعب، لا يَعد الرهان على المفاوضات اللبنانية المباشرة مع إسرائيل بالكثير في ما خصّ استرداد الأراضي المُحتلّة سلميًا، لأسباب عدّة، أبرزها أن لا إجماع على مبدأ التفاوض من أساسه، ولا أوراق ضغط بيد الفريق اللبناني المفاوض، ولا ضغط دَولي وازن على الجانب الإسرائيلي لتأمين الانسحاب، ولا قُدرة على تنفيذ مطلب سحب سلاح "الحزب" في ظلّ رفض هذا الأخير المُطلق لأي مساس به.
وبالانتقال إلى خيار القتال العسكري الذي تحدّث عنه أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في كلمته المُتلفزة مساء الأحد الماضي، فهو يعني عمليًا العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000. ويراهن على أن لا احتلال يدوم طالما تُوجد مقاومة ضُدّه، لكنّه يتجاهل مجموعة من المعطيات المُعاكسة الحاسمة، وأبرزها:
أوّلًا: الجانب الإسرائيلي غيّر أسلوب احتلاله، وهو لا يريد التواجد في المنطقة المُحتلّة بشكل يسمح بشنّ هجمات استنزاف عليه. فالاحتلال الإسرائيلي، وباستثناء إقامة بعض المواقع الإستراتيجية المَحدودة العَدد والمُحَصّنة بشكل كامل، يريد تدمير كل أسس الحياة في المنطقة المحتلّة، وإطلاق النار على كل ما/من يتحرّك فيها. ومن شأن هذا التكتيك أن يُضعف فرص إلحاق خسائر جسيمة وموجعة بقوات الاحتلال.
ثانيًا: إنّ الاحتلال لن يكتفي هذه المرّة بحصر المُواجهة مع مقاتلي "الحزب" في الشريط الحدودي، كما حصل في السابق، بل إنّ ردّات فعله العسكرية على أي عمليّات قتالية ضُدّه في الشريط المُحتلّ، ستطال مساحات واسعة من لبنان، قطعًا للطريق على أي حرب استنزاف ينوي "الحزب" شنّها. والأكيد أنّ قصف لبنان ردًّا على أيّ عمليّات قتالية في الجنوب، يعني أنّ خيار مقاومة الاحتلال عسكريًا يُشكّل استمرارًا لحال الحرب على كامل مساحة الوطن، وهو ما لم يعد للبنان وللبنانيّين أيّ طاقة على تحمّله بعد اليوم.
ثالثًا: إنّ العمق الجغرافي الإستراتيجي الذي كان يُعوّل عليه "حزب الله" لتأمين الأسلحة والذخائر عن طريق سوريا قد صار في خبر كان، ما يعني أنّ كل يوم قتال إضافي يؤدّي إلى خفض وتناقص مخزونه من السلاح والذخيرة، بحيث سيجد نفسه بعد فترة زمنيّة مُعيّنة غير قادر على تأمين الامداد اللوجستي للقتال، بعكس قوّات الاحتلال.
رابعًا: إنّ رغبة السُلطة السياسية في لبنان، مَدعومة بشرائح واسعة من الشعب اللبناني بوقف الخيار الحربي لاسترداد الأراضي المحتلة، حقنًا للدماء وتخفيفًا للخسائر الاقتصادية الجسيمة اللاحقة بلبنان، سيضع "حزب الله" ومؤيّدي خيار القتال في موقع المعارض لقرارات السُلطة، مع كل ما يترتّب على ذلك من انعكاسات. وبالتالي، من شأن الصراع السياسي المَفتوح المُرتقب، مع ما سيُرافقه من عمليّات شدّ حبال على المستوى الداخلي، أن يقود إلى تقليص قدرات "الحزب" على المواجهة، في حال اتخاذ إجراءات ميدانية تنفيذية لقرارات سحب السلاح.
في الخلاصة، ما لم تتدخّل الإدارة الأميركية لصالح لبنان، لسحب الاحتلال الإسرائيلي من المواقع التي احتلّها حديثًا، وهو أمر مُستبعد، وما لم تنجح إيران بفرض انسحاب إسرائيل من الجنوب في حال توصّلها إلى تسوية شاملة مع واشنطن، وهو بند تحقيقه شبه مستحيل بفعل الفيتو الإسرائيلي، يمكن القول إنّ الاحتلال عاد للأسف إلى قسم من الجنوب، ومن تهجّر لن يتمكّن من العودة إلى المناطق المحتلّة ومحيطها الجغرافي المباشر. وبالتالي، إنّ الوضع في لبنان عاد إلى مرحلة ما قبل انسحاب العام 2000، أي إلى زمن الحرب المفتوحة مع إسرائيل، لكن هذه المرّة في ظلّ نيّة إسرائيلية مُبيّتة بجعل كل مساحة لبنان في دائرة ردودها الانتقامية على أي عمليّات قتالية ضُدّ قواتها في الشريط المُحتلّ حديثًا!