بعد رد مصرف لبنان.. لهذا السبب تحرير سعر صرف الليرة غير مُمكن حالياً
يُعاني لبنان في الفترة الراهنة من أزمات عديدة، فبالإضافة إلى الضربات الإسرائيلية المستمرة وأزمة النزوح، عادت الأزمة الاقتصادية إلى الواجهة مع الحديث عن انخفاض "احتياطات العملات الأجنبية" في مصرف لبنان بين منتصف شباط ونهاية آذار من 12 مليار دولار إلى 11.5 مليار دولار أي بخسارة تُقدر بنحو 533 مليون دولار.
وتحدثت معلومات صحافية عن احتمال اتخاذ البنك المركزي القرار بتحرير سعر صرف الليرة وترك السوق يحدّد قدرتها على الصمود، مشيرة إلى ان "هذه الخطوة، إن حصلت، تعني أن سعر صرف الدولار سيرتفع من 89 ألف ليرة إلى 200 ألف ليرة فوراً، مع الحديث عن إمكانية ان يصل إلى سقف قد يلامس الـ 500 ألف ليرة خلال أسابيع".
الا ان مصرف لبنان سارع إلى الرد على ما يتم تداوله بشأن هذا الأمر، مؤكدا ان "لا هدف له سوى تحقيق مجموعة من الأولويات الراسخة: الحفاظ على الاستقرار النقدي في كل الظروف، العمل على إعادة ودائع المودعين حسب آليات قانون الإنتظام المالي، استعادة عافية القطاع المصرفي باعتباره شرطًا أساسيًا لنمو الاقتصاد، وتعزيز المالية العامة للدولة، بما في ذلك ثبات العملة الوطنية، لتمكين الدولة من الإيفاء بكامل التزاماتها تجاه المواطنين وموظفي القطاع العام". وهنا لا بد من السؤال ماذا يعني تحرير سعر صرف الليرة وماذا يحصل إن تم؟
يُشير خبراء اقتصاديون عبر "لبنان 24" إلى ان "تحرير سعر صرف الليرة يعني تركها تُحدد بالكامل بحسب العرض والطلب في السوق، ولكن في الظروف الحالية التي يعيشها لبنان فهذا الأمر ليس مجرد خطوة تقنية، بل قرار عالي المخاطر بسبب تزامنه مع 3 عوامل ضاغطة هي تراجع احتياطات مصرف لبنان، ضعف الثقة بالنظام المالي، وتأثيرات الحرب وعدم الاستقرار".
ويُضيف الخبراء ان "تحرير سعر صرف الليرة غالباً يؤدي إلى انخفاض إضافي في قيمتها على المدى القصير، والسبب أن الطلب على الدولار مرتفع جداً مقابل عرض محدود، خصوصاً مع تقلّص قدرة مصرف لبنان على التدخل وضخ العملات الأجنبية".
ويلفت الخبراء إلى ان "لبنان يعتمد بشكل كبير على الاستيراد (غذاء، دواء، وقود)، لذلك فأي تراجع في سعر الليرة سيُترجم بسرعة إلى ارتفاع كبير في الأسعار، ما سيؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية، زيادة نسب الفقر، وضغط إضافي على الرواتب خصوصاً في القطاع العام".
ويؤكد الخبراء الإقتصاديون ان "تحرير سعر الليرة ليس حلا، فمن الناحية النظرية، هذا الأمر قد يُخفف من استنزاف الاحتياطات لأنه يُقلل من تدخل المصرف المركزي، لكن في الواقع اللبناني نرى ان الاحتياطات أصلاً منخفضة والثقة ضعيفة، لذلك لن يكون التحرير كافياً لوقف النزيف من دون إصلاحات أعمق".
ويُحذر الخبراء من ان "تحرير سعر الصرف بدون أي خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى في أسعار الصرف، خسائر إضافية غير مُعلنة للمودعين، إضافة إلى استمرار تعدد أسعار الدولار بدل توحيدها".
ويوضحون ان "الحرب تُضاعف المخاطر من حيث تراجع الاستثمار والسياحة، وزيادة الطلب على الدولار كملاذ آمن، وصعوبة تطبيق أي إصلاحات أو جذب دعم خارجي".
هل من فوائد لتحرير سعر صرف الليرة؟
يُشير الخبراء الإقتصاديون إلى وجود فوائد لكن مشروطة جداً، حيث قد يؤدي الأمر إلى توحيد سعر الصرف إذا تم بشكل منظم، تقليل السوق السوداء، تحسين الشفافية"، لافتين إلى ان "هذه الفوائد لا تظهر إلا إذا ترافق هذا الأمر مع إصلاح مالي، إعادة هيكلة المصارف، واتفاق مع جهات دولية مثل صندوق النقد الدولي".
في الخلاصة، تحرير سعر صرف الليرة راهناً قد يؤدي إلى "صدمة" تضخمية قوية وفورية مع مكاسب محدودة، ما لم يكن جزءاً من خطة إنقاذ شاملة ومدعومة دولياً، وعلى الرغم من كل التحديات الا ان مصرف لبنان يؤكد التزامه بصون الاستقرار النقدي وتأمين تدفق مستمر للعملات الصعبة إلى البلد والحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية