بين "العدالة والإصطفافات"... العفو العام حلّ أم نزاع سياسي؟
من المنتظر أن يشكّل قانون العفو العام، الذي يُفترض أن يُطرح للتشريع في المجلس النيابي خلال الأيام المقبلة، مدخلاً لمعالجة أزمات متراكمة ذات أبعاد إنسانية وقضائية وحقوقية واجتماعية. غير أنّ النقاش الدائر حوله لم يبقَ ضمن الإطار القانوني البحت، بل اكتسب أبعاداً سياسية وطائفية واضحة، فيما لا يزال حسمه النهائي خاضعاً لحسابات النفوذ والتوازنات المناطقية، إضافة إلى رهانات مرتبطة بأي استحقاق انتخابي مقبل.
كما أن هذا الملف لا يبدو منفصلاً عن مسار العلاقات اللبنانية – السورية، بالتزامن مع زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق اليوم، خصوصاً أن بعض الإشكاليات المرتبطة بالعفو تتجاوز الحدود اللبنانية لتطال ملفات مرتبطة بسوريا ودول عربية أخرى، ولا سيما ما يتصل بالموقوفين والمحكومين في قضايا الإرهاب وتجارة المخدرات وسواها من الجرائم الحساسة التي تثير انقساماً داخلياً واسعاً.
وفي هذا السياق، يرى النائب الدكتور عبد الرحمن البزري أن يوم الإثنين سيكون مفصلياً في مسار القانون، معتبراً أن الأجواء الحالية تشير إلى أن "لعفو العام يسير مبدئياً نحو الإقرار"، وأن الإجتماعات الجارية بين النواب قد تنتهي إلى توافق على صيغة نهائية للقانون.
ويكشف النائب البزري ل"ليبانون ديبايت"، أن الرؤساء الثلاثة لديهم مصلحة واضحة في إقرار العفو العام، موضحاً أن الحكومة عبّرت، عبر وزير الداخلية أحمد الحجار، عن حاجتها إلى هذا القانون لتخفيف الإحتقان داخل السجون، في ظل إدراك رسمي بأن الجسم القضائي غير قادر على مواكبة الكمّ الهائل من الملفات القضائية العالقة.
وفي الإطار نفسه، يشير النائب البزري إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يدفع باتجاه إنجاز القانون، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يتحول إلى مادة خلافية داخل المجلس النيابي، فيما يسعى رئيس الجمهورية جوزاف عون، إلى الموازنة بين دعمه لإقرار القانون وحرصه على الظهور بموقع المدافع عن حقوق العسكريين، خصوصاً في ظل الضغوط التي يتعرض لها حتى داخل بيئته السياسية للإسراع في إنجاز هذا الملف.
غير أن البزري يرى أنه كان من المفترض أن يتحول "العفو العام"إلى مشروع وطني شامل لمعالجة أزمة القضاء في لبنان، لافتاً إلى أن النظام القضائي يعاني منذ سنوات من اختلالات عميقة، أبرزها النقص في عدد القضاة والتدخلات السياسية في عمل القضاء، ما أدى إلى عجزه عن تلبية متطلبات العدالة وتسريع المحاكمات. ويوضح أن هذا الواقع تسبّب بتأخير هائل في البت بالقضايا، حتى بات ما بين 75 و80 في المئة من السجناء في لبنان من دون محاكمات فعلية، وهي نسبة تُعدّ من الأعلى عالمياً، الأمر الذي يخلق أزمات اجتماعية وإنسانية خطيرة، ويعزز لدى المواطنين شعوراً بالظلم والغبن.
ويشدد البزري على أن التدخل السياسي في القضاء، خصوصاً في المواقع القضائية الحساسة، ما زال قائماً حتى اليوم، ما أفقد الناس ثقتهم باستقلالية القضاء، رغم وجود قضاة مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة. وبات الرأي العام، بحسب البزري، يميل إلى ربط أي اتهام قضائي بالخلفيات السياسية أكثر من ربطه بالمخالفة القانونية نفسها.
وعليه، يضيء البزري على محور الأزمة، حيث يجد أن لبنان يدفع اليوم ثمن تسييس القضاء وعدم قدرة النظام القضائي على أداء مهامه، بالتوازي مع تفاقم أوضاع السجون، حيث تتكرر الأنباء عن وفيات ومآسٍ إنسانية نتيجة الإكتظاظ وغياب الرعاية الصحية الكافية، مع العلم أنه على السجون أن تكون مؤسسات إصلاحية لا أماكن للعقاب فقط، معتبراً أن التجربة اللبنانية فشلت حتى الآن في تحويل السجون إلى مراكز إصلاح وتأهيل حقيقية، ما جعل من قانون العفو محاولة لمعالجة هذه الأزمات دفعة واحدة.
لكن، وبدلاً من أن يتحول هذا القانون إلى مشروع وطني جامع، يأسسف البزري لأن جانباً من النقاشات التي شهدتها أكثر من عشر جلسات مطولة، إنزلق نحو التموضع المذهبي والطائفي والخطاب الشعبوي.
ويختم بالتعبير عن أمله في أن تتمكن اللجنة النيابية التي تجتمع بعيداً عن الإعلام من التوصل إلى صيغة متوازنة يوم الإثنين، مع التشديد على ضرورة أن يأتي القانون منسجماً مع روحية مشروع قانون العفو الذي تقدم به مع النواب المستقلين ضمن إطار "النواب ال7"، بمعنى أن يصدر القانون خالياً من أي انحرافات أو استنسابية في المعايير