إلغاء عقوبة الإعدام على طاولة الإدارة والعدل
يحضر اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام اليوم على طاولة لجنة الإدارة والعدل النيابية برئاسة النائب جورج عدوان، في جلسة يُتوقّع أن تشكّل محطة مفصلية في مسار تحديث السياسة العقابية اللبنانية. وبحسب معلومات "نداء الوطن"، فإنّ توجهاً نيابياً متقدّماً يميل إلى إقرار الاقتراح، في خطوة تعكس تحوّلاً تدريجياً في النظرة إلى العدالة الجزائية، وتضع لبنان أمام استحقاق قانوني وحقوقي طال انتظاره.
فالاقتراح المطروح ينسجم مع مسار دولي متصاعد نحو إلغاء هذه العقوبة، بعدما ألغتها أكثر من 140 دولة قانوناً أو عملياً، ما جعل الإبقاء عليها في التشريع اللبناني أقرب إلى استثناء يتعارض مع تطوّر المنظومة الحقوقية العالمية.
ولا يهدف الاقتراح، بحسب مؤيّديه، إلى إضعاف الردع أو تجاهل معاناة الضحايا، بل إلى نقل السياسة العقابية من منطق العقوبة النهائية غير القابلة للتراجع إلى منطق العدالة الإنسانية المتوازنة، القائمة على حماية المجتمع وصون الكرامة الإنسانية في آنٍ معاً.
بين النصّ والواقع
على الرغم من استمرار النصوص القانونية التي تنصّ على عقوبة الإعدام، لم يُنفّذ أي حكم إعدام في لبنان منذ عام 2004، ما جعل البلاد عملياً ضمن الدول التي تعتمد وقفاً غير معلن للتنفيذ.
ومن هنا، يرى مؤيّدو الاقتراح أنّ إقراره يُنهي الازدواجية القائمة بين النصّ والممارسة، ويحوّل وقف التنفيذ من واقع غير مكتوب إلى قاعدة قانونية واضحة، بما يعزّز الأمن القانوني ويكرّس وضوح السياسة العقابية للدولة.
التزامات دولية وضغط حقوقي
يستند المدافعون عن الإلغاء إلى مرتكزات حقوقية ودستورية واضحة، أبرزها الحق في الحياة الذي كرّسته المواثيق الدولية، وفي مقدّمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمّ إليه لبنان.
كما يشيرون إلى أنّ الأمم المتحدة تدعو منذ عام 2007 إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام تمهيداً لإلغائها، وقد صوّت لبنان لمصلحة عدد من هذه القرارات أو امتنع عن التصويت، في ما اعتُبر مؤشراً إلى توجّه تدريجي نحو الانسجام مع المقاربة الأممية.
وفي حال إقرار الاقتراح، فإنّ ذلك قد يفتح الباب أمام انضمام لبنان مستقبلاً إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يهدف صراحة إلى إلغاء عقوبة الإعدام.
حقوق الضحايا حاضرة
في المقابل، حاولت لجنة حقوق الإنسان النيابية مراعاة حقوق الضحايا والمتضرّرين، عبر ربط إمكان تخفيف العقوبة بإثبات استيفاء الحقوق الشخصية، ومنح أصول الضحية وفروعها وزوجها أو زوجتها حقّ الاعتراض على طلب التخفيف.
وتعكس هذه المقاربة محاولة لتحقيق توازن بين العدالة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، حيث لا يبدو الاقتراح كأنّه يتجاهل حقوق الضحايا، بل يسعى إلى التوفيق بين حماية الحق في الحياة وإنصاف المتضرّرين.
وفي هذا السياق، تبقى عقوبة السجن المؤبّد مع الأشغال الشاقة البديل المطروح، باعتبارها كافية لتحقيق الردع من دون اللجوء إلى عقوبة نهائية لا رجعة عنها.
خطر الخطأ القضائي
ويشير النائب جورج عدوان لـ"نداء الوطن" إلى أنّ من أبرز الحجج الدافعة نحو الإلغاء، خطر الخطأ القضائي، وما يترتّب عليه من نتائج لا يمكن تصحيحها بعد التنفيذ، لافتاً إلى أنّ عدّة تجارب دولية أظهرت تبرئة محكومين بالإعدام بعد سنوات من صدور الأحكام في حقّهم، بفضل تطوّر وسائل الإثبات العلمي، ولاسيما تحاليل الحمض النووي.
ويعتبر عدوان أنّ هذا الخطر يصبح أكثر حدّة في الأنظمة القضائية التي تعاني من ضغوط على استقلالها ، أو من ضعف في وسائل التحقيق، مؤكداً أنّ "الدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على حماية الحقوق الأساسية، حتى في أصعب الظروف، وبقدرتها على فرض سلطة القانون من دون اللجوء إلى إنهاء حياة الإنسان".
هل سقطت حجّة الردع؟
وتستند المقاربة الحديثة في علم الإجرام إلى دراسات تعتبر أنّ عقوبة الإعدام لم تُثبت تفوّقاً حاسماً في خفض معدلات الجريمة مقارنة بعقوبة السجن المؤبّد، ما يُضعف إحدى أبرز الحجج التقليدية المستخدمة لتبرير الإبقاء عليها، وهي حجّة الردع.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن الإلغاء أنّ تحديث التشريع العقابي، بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان لا يُعدّ مجرد خيار سياسي، بل يدخل ضمن الالتزامات الدستورية للبنان، خصوصاً أنّ مقدّمة الدستور تؤكد التزام الدولة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق الأمم المتحدة.
يدخل النواب إلى جلسة اليوم وسط مناخ يميل إلى إقرار الاقتراح، واستبدال عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبّدة، مع الحفاظ على الضمانات المرتبطة بحقوق الضحايا وذويهم.
وفي حال سلك الاقتراح طريقه لاحقاً في الهيئة العامة، فإنّ ذلك سيعني أنّ لبنان خطا خطوة متقدّمة نحو تحديث منظومته الجزائية، وتأكيد التزامه بالقيم الإنسانية والدستورية، من دون المساس بمتطلّبات حفظ الأمن العام أو بحقوق المتضرّرين