اللبنانيون يحملون وجع الوطن إلى السعودية
بين حرب مستمرة ترخي بثقلها على لبنان، وأزمات اقتصادية وأمنية تضغط على تفاصيل الحياة اليومية، يشدّ آلاف اللبنانيين رحالهم إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج، حاملين معهم ما هو أبعد من حقائب السفر، يحملون وجع وطن مثقل بالأزمات، وقلقًا ممتدًا منذ أشهر، وآمالا معلّقة على رحلة إيمانية يرون فيها مساحة للسكينة وسط واقع يزداد تعقيدًا. وفي بلد يرزح تحت ثقل الحرب والأزمات، بدا مشهد الحجاج اللبنانيين هذا العام وكأنه محاولة جماعية لالتقاط الأمل من بين ركام القلق اليومي، والبحث عن الطمأنينة في زمن تتكاثر فيه المخاوف وتتراجع فيه مساحات الاستقرار.
ورغم الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان، اختار آلاف اللبنانيين التمسك بأداء هذه الفريضة، حاملين دعواتهم وآمالهم إلى الأراضي المقدسة، في رحلة ينظر إليها كثيرون باعتبارها محطة إيمانية تمنحهم توازنًا روحيًا في مرحلة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع التوترات الأمنية وتداعيات الحرب المستمرة.
حصة لبنان وتنظيم الرحلة
وبحسب المعطيات، تبلغ الحصة الرسمية للبنان هذا الموسم نحو 7500 حاج، موزعين على مختلف المكونات، بينهم نحو 3000 حاج من الطائفة السنية، وحجاج من الطائفة الشيعية، إضافة إلى قرابة 1500 حاج فلسطيني، في إطار تنظيم يعكس التنوع اللبناني داخل موسم الحج.
منظومة سعودية متطورة لخدمة ضيوف الرحمن
وتستقبل المملكة العربية السعودية ضيوف الرحمن هذا العام ضمن منظومة تنظيمية متقدمة تعكس جهوزية أمنية ولوجستية وتقنية عالية، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى توفير تجربة روحانية آمنة وميسّرة، بعيدًا عن أي تعقيدات تمسّ قدسية الشعائر.
وخلال العقود الماضية، أولت المملكة العربية السعودية خدمة الحرمين الشريفين أولوية استراتيجية، عبر تطوير منظومة متكاملة لخدمة الحجاج، وتحويل إدارة موسم الحج إلى مشروع وطني قائم على تسهيل المناسك ورفع معايير السلامة والكفاءة التشغيلية.
وفي السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة تطوير البنية التحتية للمشاعر المقدسة، مع إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي وإدارة الحشود إلكترونيًا، إلى جانب تعزيز منظومات النقل والخدمات الصحية والأمنية، بما يرفع كفاءة التشغيل ويخفف من الضغط البشري في أوقات الذروة.
كما تحرص المملكة على إبقاء موسم الحج بعيدًا عن أي طابع سياسي أو طائفي، انطلاقًا من مبدأ وحدة المسلمين، وتركيز الحجاج على أداء الشعائر في أجواء روحانية هادئة ومنظمة.
"نُسُك" والتحول الرقمي في إدارة الحج
وفي سياق التحول التقني، يشهد موسم الحج توسعًا في استخدام منصة "نُسُك" الرقمية، إلى جانب بطاقة "نُسُك" الذكية الإلزامية، مع التكامل مع منصة "أبشر" التي تتيح دعم وتحديث بيانات الحجاج المرتبطة بالهوية والإقامة والخدمات النظامية، بما يسهم في تسريع الإجراءات ورفع كفاءة إدارة الحشود.
كما طُورت بنية رقمية متقدمة للحج تعتمد منصات ذكية متعددة اللغات، تتيح الإرشاد الفوري للحجاج وتسهّل الوصول إلى الخدمات، في إطار "رؤية 2030" الهادفة إلى رفع جودة الخدمات وتحسين تجربة ضيوف الرحمن على المستويات كافة.
الحج هذا العام يُدار بمنظومة متقدمة
وفي هذا السياق، قال عضو بلدية صيدا عامر معطي، في تصريح لـ "نداء الوطن"، إن وصول الحجاج اللبنانيين إلى الأراضي المقدسة جرى "بشكل منظم يحفظ كرامتهم ويتيح لهم أداء المناسك بروحانية وأمان"، مشيرًا إلى أن الخدمات الصحية والأمنية واللوجستية المقدمة تمثل نموذجًا متقدمًا في إدارة موسم الحج.
وأعرب معطي عن تقديره للاهتمام المباشر من القيادة السعودية بضيوف الرحمن، معتبرًا أن مستوى التنظيم يعكس احترامًا عميقًا للحجاج القادمين من مختلف دول العالم، ويؤكد تطور منظومة إدارة الحشود والخدمات.
ودعا الحجاج اللبنانيين إلى الالتزام بالتعليمات الرسمية والابتعاد عن أي شعارات سياسية أو طائفية، حفاظًا على قدسية الشعائر ووحدة المسلمين، مؤكدًا أن نجاح موسم الحج يقوم على الانضباط والتنظيم إلى جانب البعد الروحي.
وأشار إلى أن التطور في إدارة الحج لم يعد يقتصر على البعد التنظيمي فقط، بل بات يقوم على دمج التكنولوجيا الحديثة مع البعد الديني والإداري، بما يتيح تجربة أكثر سلاسة وطمأنينة للحجاج.
حج في زمن الحرب
وفي وقت يرزح فيه لبنان تحت ضغوط الحرب المستمرة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تبدو رحلة الحج بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين أكثر من أداء لفريضة دينية، إنها مساحة رجاء في زمن القلق، ومحاولة للتماسك في وجه الانهيار، ورسالة إيمان تتجاوز ثقل الواقع اليومي.
وبين وجع الوطن والرحاب المقدسة، يمضي الحجاج اللبنانيون حاملين دعواتهم بأن يكون هذا الموسم مساحة للسلام الداخلي، وبارقة أمل لوطن أنهكته الحرب، لكنه لا يزال يتمسك بخيط رفيع من الطمأنينة وسط العواصف