اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

لبنان خارج اللعبة النفطية... هل طار الترسيم البحري عملياً؟

صيدا اون لاين

يرسم التوغل الإسرائيلي حدوداً جديدة جنوباً ويفرض واقعاً جديداً على ملف الغاز، لأن احتلال الأرض يجعل من البلوكات النفطية الجنوبية رهينةً للإحتلال ويعلقّ العمل من الناحية العملية باتفاقية الترسيم البحري، والتي سبق وأن لوّحت إسرائيل بإعادة النظر فيها أو إلغائها. إنما من الناحية القانونية، وحتى الساعة، تؤكد الخبيرة في شؤون الطاقة كريستينا أبي حيدر، أنّه لم تُسجَّل أي خطوة إسرائيلية رسمية أو خطية لتعديل الإتفاق أو الإنسحاب منه، وكل ما صدر اقتصر على مواقف إعلامية وكلام سياسي لم يرتقِ إلى مستوى المبادرات القانونية أو الدبلوماسية الجدية، وبالتالي، تبقى الإتفاقية نافذة قانونياً، باعتبار أنها أتت نتيجة توافق بين لبنان وإسرائيل، وأي تعديل أو إلغاء يحتاج لموافقة الطرفين، وإن كانت عملياً تواجه تعقيدات كبيرة فرضتها الحرب.

 

فالإحتلال الإسرائيلي للمناطق المحاذية للبلوكات النفطية والغازية في الجنوب أعاد خلط الأوراق، وجعل أي حديث عن استثمار فعلي في هذه المناطق شديد الصعوبة. وفي الأساس، كانت الحكومة اللبنانية قد أطلقت دورة التراخيص الثالثة للتنقيب البحري، قبل أن يطلب وزير الطاقة تمديدها خلال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، بسبب غياب أي طلبات جديدة من ائتلافات الشركات العالمية.

 

وتقول الخبيرة أبي حيدرل"ليبانون ديبايت"، إن هذا العزوف لم يكن مفاجئاً، إذ يصعب على أي شركة دولية أن تضخّ استثمارات ضخمة في بلد يعيش حالة حرب مفتوحة، وسط انهيار اقتصادي وغياب الإستقرار الأمني والسياسي، وحتى مع تمديد دورة التراخيص، تبدو إمكانية تقدّم شركات جديدة شبه معدومة، طالما أنّ عوامل المخاطرة ما زالت مرتفعة.

 

إلى جانب ذلك، تتحدث أبي حيدر عن عامل إضافي أكثر تعقيداً، يتمثّل باستمرار الإحتلال الإسرائيلي لمناطق جنوبية محاذية للبلوكات البحرية، لأنه إذا تمّ التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فإن عدم انسحاب إسرائيل من الجنوب سيجعل أي شركة تفكر ملياً قبل الدخول إلى منطقة متوترة أمنياً ومفتوحة على احتمالات التصعيد، ما يعني أنّ لبنان سيبقى متأخراً في ملف النفط والغاز، من دون أي مؤشرات إلى تطورات ملموسة أو خطوات إيجابية في المدى القريب.

 

غير أنه في موازاة الجمود جنوباً، تبرز ضرورة استكمال ملف ترسيم الحدود البحرية مع سوريا، وهو الملف الذي لا يزال عالقاً منذ سنوات ويمنع عملياً استثمار البلوكات الشمالية. وهنا، تلفت أبي حيدر إلى أنّ لبنان نجح في ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل وقبرص، لكنه لم يتمكن خلال العقود الماضية من إنجاز هذا الملف مع سوريا، رغم أهميته الإستراتيجية، إنما مع تحسّن العلاقات السياسية وبدء التنسيق الثنائي بين البلدين، تبدو الفرصة متاحة لإقفال هذا الملف سريعاً، خصوصاً أنّ إمكانية العمل في الشمال تبقى أكثر واقعية من الجنوب، لأن العقبة الأساسية تكمن في كون بعض البلوكات لا تزال متنازعاً عليها بين لبنان وسوريا تمنع الشركات من التقدّم بطلبات ترخيص.

 

لذلك، ترى أبي حيدر أنّ ترسيم الحدود البحرية مع دمشق يجب أن يشكّل أولويةً للحكومة اللبنانية، خصوصاً في ظل الحديث عن تعاون في ملفات الغاز والكهرباء، لأن إنجاز هذا الملف سيؤدي إلى استكمال ترسيم كامل الحدود البحرية اللبنانية وإقفال هذا النزاع نهائياً.

 

وفي الوقت الضائع، وفي ظل تعثر التنقيب البحري، يعود الرهان على التنقيب البرّي، وتكشف أبي حيدر أنّ مجلس النواب يملك منذ فترة مسودة قانون جاهزة لتنظيم هذا القطاع، إلا أنّ المشروع لا يزال ينتظر الإقرار، علماً أن الدراسات الجيولوجية تشير إلى وجود احتمالات كبيرة لثروات نفطية وغازية في البرّ اللبناني، لا سيما أنّ لبنان يقع ضمن الإمتداد الجغرافي نفسه للمناطق السورية الغنية بالنفط والغاز، والتي استمرت فيها عمليات الإنتاج خلال سنوات الحرب.

 

وبرأي أبي حيدر، فإن هذا الخيار يكتسب أهمية إضافية لأن كلفة التنقيب البرّي أقل بكثير من التنقيب البحري، ما يجعله أكثر جاذبية في ظل الأزمة الإقتصادية الحالية، إنما الملف لا يزال نائماً بانتظار إقرار القانون وبدء عملية التلزيم.

 

وبالتوازي، تلفت أبي حيدر إلى "فرصة ضائعة"، وذلك بعدما أعادت الحرب الأخيرة في إيران تسليط الضوء على ملف الطاقة، وأثبتت أنّ الصراع لم يعد يقتصر على مصادر النفط والغاز فقط، بل بات يشمل أيضاً طرق النقل والتخزين.

 

فلبنان، وفق أبي حيدر، أهدر فرصة استراتيجية حين لم يعمل على تطوير منشآت تخزين النفط في طرابلس والزهراني، فلو كانت هذه المنشآت مجهّزة وفعّالة، لكان بإمكان الدولة شراء النفط عندما تنخفض الأسعار عالمياً وتخزينه، ما يوفّر احتياطياً استراتيجياً ويحمي من تقلبات الأسواق والأزمات.

 

وتشير أبي حيدر إلى أنّ شركة "روزنفت" الروسية كانت قد وقّعت عام 2017 عقداً مع الدولة اللبنانية لتأهيل منشآت النفط في الشمال، إلاّ أنّ المشروع بقي حبراً على ورق طوال أربع سنوات من دون تنفيذ فعلي، ولو تم تطوير هذه المنشآت، لكان لبنان اليوم قادراً على تخزين الفيول والنفط بكميات كبيرة، بدل الإعتماد على سياسة "الشحنة بالشحنة" التي تزيد هشاشة قطاع الطاقة.

 

وتتحدث أبي حيدر أيضاً عن أهمية إعادة تفعيل خطوط النفط مع كركوك العراقية، خصوصاً أنّ البنية التحتية الأساسية، بما فيها الأنابيب، لا تزال موجودة ويمكن إعادة تشغيلها، إضافة إلى خيار إعادة تشغيل مصافي النفط اللبنانية، بحيث يتمّ استيراد النفط العراقي وتكريره في لبنان ثم تصديره إلى أوروبا، ما يمنح العراق منفذاً بديلاً عن مضيق هرمز، ويفتح للبنان باباً اقتصادياً واستراتيجياً جديداً.

تم نسخ الرابط