بعد انتهاء الحرب... ما مصير العقوبات؟
تُلوّح الخزانة الأميركيّة، بشكلٍ شبه يوميّ، بفرض عقوبات صارمة على إيران. فكلّما توتّرت العلاقات تفرض أميركا عقوبات تُنهك الاقتصاد الإيرانيّ أكثر فأكثر. وفي ظلّ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصُّل إلى اتّفاق نهائيّ مع إيران، يطرح السّؤال: هل تُلغى العقوبات إذا انتهت الحرب؟
في هذا السّياق، تؤكّد الخبيرة الاقتصاديّة والماليّة الدّكتورة ليال منصور، في حديثٍ خاص إلى موقع mtv، أنّ "انتهاء الحرب لا يعني تلقائيًّا رفع العقوبات، لأنّ مصير هذه الإجراءات يبقى مرتبطًا بالملفّات السياسيّة العالقة، وفي مقدّمها الملفّ النوويّ والعلاقات بين إيران والولايات المتحدة".
وتشدّد على أنّ "العقوبات الاقتصاديّة تُستخدم أساسًا لتحقيق أهداف سياسيّة، إذ أنّ العلاقات بين الدول ترتبط إلى حدٍّ كبيرٍ بالمصالح الاقتصاديّة، لذلك تلجأ الولايات المتحدة إلى الضّغط الاقتصاديّ على إيران بهدف التأثير في سياساتها وسلوكها"، مشيرةً إلى أنّها "تؤدّي دورًا مهمًّا في إضعاف الاقتصاد الإيرانيّ، حتّى وإن نجحت طهران في إيجاد بعض الوسائل للالتفاف عليها"، موضحةً أنّ "الالتفاف على العقوبات لا يعني نجاح الاقتصاد أو تحسُّن مستوى معيشة المواطنين، لأنّ أيّ دولة تحتاج إلى تدفُّق مستمرّ للعملات الأجنبيّة، ولا سيّما الدولار، لتمويل الاستيراد والتجارة الخارجيّة".
وترى أنّ "فكرة الاكتفاء الذاتيّ الكامل غير واقعيّة في الاقتصاد الحديث"، قائلةً: "لا توجد دولة قادرة على إنتاج كلّ ما تحتاج إليه بأعلى مستويات الجودة والتنافسيّة والتطوّر التكنولوجيّ. فعندما تحاول دولة تصنيع كلّ شيء بنفسها، غالبًا ما تواجه صعوبة في مواكبة التطوّر العالميّ في مختلف القطاعات".
وتلفت إلى أنّ "إيران تمكّنت من الالتفاف جزئيًّا على العقوبات عبر بناء تحالفات اقتصاديّة مع دول لا ترتبط بعلاقات جيّدة مع الولايات المتحدة، انطلاقًا من مبدأ "عدوّ عدوّي صديقي". ولهذا السّبب عزّزت تعاونها مع الصين وروسيا وفنزويلا، من خلال اتّفاقات تبادل تجاريّ وآليّات دفع بديلة تقلّل الاعتماد على الدولار نظام "SWIFT" الماليّة العالميّة".
كما تعلن أنّ "العقوبات لا تزال تحدّ من قدرة إيران على الاستفادة الكاملة من مواردها، ولا سيّما النفط. فسمحت العقوبات لإيران بالاستمرار في تصدير جزء من إنتاجها النفطيّ، لكنّها لو لم تكُن خاضعة لهذه القيود لكانت قادرة على تصدير كميّات أكبر وتحقيق عائدات أعلى"، مشدّدةً على أنّ "النفط يشكّل المصدر الأساسيّ للدولارات التي تدخل إلى إيران، إذ يمثّل الجزء الأكبر من الإيرادات بالعملات الأجنبيّة. لذلك، فإنّ أيّ عقوبات تستهدف صادرات النفط تؤدّي مباشرة إلى تراجع تدفُّق الدولار إلى الاقتصاد الإيرانيّ، ما ينعكس ضغوطًا إضافيّة على العملة المحليّة".
بالنّسبة إلى المؤشّرات التي تُظهر نجاح أو فشل العقوبات، تقول منصور إنّه "يمكن قياس فعاليّة العقوبات من خلال مجموعة من المؤشّرات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة، أبرزها: سعر صرف الريال الإيرانيّ. فاستقرار العملة يتطلّب احتياطات كافية من العملات الأجنبيّة، ولا سيّما الدولار. وكلّما تراجعت هذه الاحتياطات زادت الضغوط على سعر الصرف. إضافةً إلى مستوى التطوّر التكنولوجيّ، لأنّ العقوبات تحدّ من قدرة إيران على الوصول إلى التقنيّات الحديثة والاستثمارات الأجنبيّة. وتنعكس هذه القيود على قطاعات عدّة، من بينها الطاقة والطيران والصّناعة، حيث تحتاج المعدّات والبنى التحتيّة إلى تحديث وصيانة مستمرين".
وتعتبر أنّ "امتلاك برنامج نوويّ لا يعني بالضّرورة تحقيق تقدّم تكنولوجيّ شامل، إذ أنّ التطوّر الاقتصاديّ والصناعيّ يرتبط بالانفتاح على الأسواق العالميّة وتبادل التكنولوجيا والخبرات"، مؤكّدةً أنّ "العقوبات ليسَت مرتبطة بالحرب وحدها، بل تشكل جزءًا من أدوات التفاوض السياسيّ". وتشرح أنّ "العقوبات ليست زرّ "ON-OFF"، بل تُستخدم كورقة ضغط تفاوضيّة، إذ يجري تخفيف بعضها أو تشديدها مقابل خطوات أو تنازلات معينة".
وفي الختام، هل ستتمكّن طهران من تجاوز هذه القيود بشكل دائم، أم أنّ العقوبات ستبقى عنصرًا حاسمًا في تشكيل معادلة القوّة بين واشنطن وطهران للسّنوات الطّويلة المُقبلة؟